⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الناس لا يدرون معنى البراءة، ولذلك علينا أن نعرِّفهم بالبراءة ما هي؛ يعني ربما ظنوا القطيعة هي البراءة، أو عدم القيام بالحق هو البراءة، وليس الأمر كذلك.
البراءة هي البُغض في الله تعالى، كما أن الولاية هي الحب في الله تعالى، وهذا واجب بالنسبة إلى المسلم، سواء كان ذلك مع والديه، أو مع أولاده، أو مع أي واحد؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة: 4-5]، ثم قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الممتحنة: 6]، ومفهوم ذلك أن من لم يتأسَّ بهم هو ممن لا يرجو الله واليوم الآخر.
وقد فرض الله سبحانه وتعالى هذا التأسي في كل شيء مما قاموا به، إلا قول إبراهيم لأبيه: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، يعني استغفار إبراهيم لأبيه، فإن ذلك إنما كان عن موعدة وعدها إياه، فلما تبيَّن له أنه عدوٌّ لله تبرَّأ منه، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: 75].
ودلَّت نصوص متعدِّدة في كتاب الله سبحانه وتعالى وفي سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم على البراءة ممَّن أصرَّ على كبيرة؛ من جملة أدلَّة ذلك في القرآن الكريم قول الله سبحانه وتعالى لنوحٍ عليه السلام عندما قال له: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: 45]، رد الله تعالى عليه بقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: 46]، وعلَّل ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: 46]، أي بسبب عمله غير الصالح لم يَعُدْ من أهلك، لم يعد من أهل ولايتك، عليك أن تتبرَّأ منه، ولا تعتبره من أهلك.
وهذه قراءة الجمهور: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، والكسائي وهو أحد القرَّاء السبعة قرأها: "إنه عمِل غيرَ الصالح"، وهذه القراءة نصٌّ في الموضوع، وكذلك قراءة: "إنه عَمُل"؛ لأن ذلك إنما يُخرج مخرج المبالغة، كأنما هو بنفسه صار عملاً غير صالح لكثرة ما عمل من غير الصالحات.
ومن أدلَّة ذلك أيضاً في القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 96]، والفسوق هو في الأصل معنى الخروج، وكل من عصى الله تعالى وأصرَّ على معصيته كان معدوداً في حكم الفاسقين، والأدلة في هذا كثيرة.
وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم هناك سيل من الأحاديث التي جاءت: «من فعل كذا فليس منا، من غشَّنا فليس منا، ليس منا من لم يوقِّر كبيرنا ويرحم صغيرنا»؛ هذا كله يدل على التبرؤ، ما معنى قوله: "ليس منا" إلا بمعنى البراءة.
البراءة واجبة، ولكن هذه البراءة يجب أن تكون صادرة -أي براءة الأشخاص- يجب أن تكون صادرة من العالم القادر على التمييز، لا من الجاهل الذي لا يفرِّق بين قبيلٍ وقبيل.