⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
عدم اشتياق الخمر وعدم التعلق بها إنما كان بعدما رسخ الإيمان في الألباب، وتحولت عادات الناس عما كانت عليه؛ كان الناس –سواء العرب أو العجم– يعدّون الإنفاق في الخمر من أحسن السخاء، وكانوا يحرصون على شرب الخمر ولو فني في ذلك مالهم، بل يفاخرون في أن أحدهم تفنى ثروته في شرب الخمر، وكانوا يعدّون شرب الخمر من أعظم اللذات، مع أنها لا لذة فيها على ما يقال عنها، لا لذة فيها، هي كلها بلاء، ولكن حُبِّب إليهم شرب الخمر، واستولت هذه الخمر على ألبابهم، ولذلك كانوا يفتتحون قصائدهم بذكر الخمر:
وكأسٍ قد شربتُ ببعلبكٍ وأخرى في دمشق وقاصرِ
يعني كانوا يفاخرون بشرب الخمر، ويفخرون أيضا بالإنفاق في الخمور، حتى ولو قضى أحدهم على ثروته، يعدّون هذه مفخرة.
كما ذُكر أن رجلا من العرب كان مولعا بشرب الخمر، وخطب امرأة فوافقته على الزواج به بشرط أن يترك الخمر، اشترطت عليه شرطا جازما أن يترك الخمر، وكان يحب هذه المرأة وتعلّق بها، فلم ير بُدًّا من قبول هذا الشرط والانصياع له، فرَضِي بذلك، وفي يوم من الأيام عاد إليها بعد ما لقي جماعة من الشرّاب، جماعة من المدمنين، فسقاهم ببرديه، ونحر لهم جزوره، يعني أفنى ما عنده؛ كان عنده بُردان كان يكتسي بهما، فسقاهم ببرديه، ونحر لهم جزوره، فعاتبته هذه المرأة وشدّدت عليه في العتاب، فقال لها:
ولسنا بشرْبِ أمِّ عمروٍ إذا انتشوا
ثيابُ الندامةِ عندهم كالمغارمِ
ولكنّنا يا أمَّ عمروٍ نَدِمْنَا
بمنزلةِ الرُّبَّانِ ليس بآثمِ
…
يعني اعتذر إليها بهذا، أنه مهما كان ولو كان هو لا يشربها، لكن من العار عليه أن يجد هؤلاء الذين يشربونها ولا ينفق عليهم ولا يدفع إليهم ماله.
هكذا كان العرب، وإذا جئنا إلى غير العرب أيضا من أمم أخرى –الأمم التي كانت في كفرها– نجد أنهم كانوا مولعين بشرب الخمور، يعني لو جئنا إلى الروم وإلى الفرس وإلى غيرهم، كانوا مولعين بشرب الخمور، أخذت الخمر بمجامع قلوبهم حتى أدخلوها في صميم الدين، حتى إنهم كانوا –بالنسبة إلى الكاثوليك– يعتبرون أن الخمر عندما تُقدّم إلى الناس مع الخبز، فالخمر هي دم المسيح، والخبز هو لحم المسيح الذي يُؤكل مع هذه الخمر، هكذا كانوا يعتقدون.
فإذاً هذه عادة سرت في الناس، فالله سبحانه وتعالى أراد أن يصرفهم عن هذه الخمر التي في الدنيا، التي فيها الصداع، والتي فيها الأمراض، والتي فيها الأسقام، والتي فيها الأوجاع، حبّب إليهم خمر الآخرة التي لا صداع فيها ولا أسقام فيها، إنما فيها اللذة، وليس فيها شيء مما تُعاب به خمر الدنيا، فمن هنا كان هذا هو الذي يلائم ذلك الوضع إبان نزول القرآن.
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يُمنَعوا من الخمر منعا جازما قاطعا، كثير منهم ظلّ يشرب الخمر، نعم، عندما نزل المنع، منعهم من شرب الخمر، نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ، رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 90-91]، كانوا في مجلس شرب، وكان عند أبي طلحة الأنصاري كما يروي ذلك أنس رضي الله تعالى عنه، ولكن امتثالا لأمر الله سبحانه أبانوا الأقداح من الشفاه، مع أن الشفاه كانت تتلمظ هذه الخمر، وكانت تلتذّ شربها، وقاموا إلى الدنان وكسرُوها بالمِهراس، كل ذلك امتثالا لأمر الله تعالى.
فإذا هؤلاء كانوا حَرِيِّين بأن يُشَوَّقوا إلى خمرٍ في الدار الآخرة هي بخلاف هذه الخمر التي يشربونها في الدنيا، ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: 19]، لا غَوْل فيها ولا هم عنها يُنزفون، لا تشترك معها إلا في الاسم، هي أيضا حتى في هذا الزمان تشرب في البر والبحر والجو.
أما القياس على لحم الخنزير ونحوه فلم يذكره الشيخ في الجواب، وإنما بيّن وجه المناسبة في خمر الآخرة بالنسبة لوضع الناس مع الخمر في الدنيا.