⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
مما يُؤسَف له أن اللغة العربية أُجهِز عليها، فالكلمات التي تتردد على الألسن الآن كثيرًا ما تُجانِف جانب ما يُقصَد بها من المعاني، كل ذلك لأجل شيوع الأخطاء في العربية، وعدم انضباط نطق الناس بها، وعدم انضباط استعمالهم لها، فالعربية أصبحت الآن في حالة يُرثى لها، وهذا ما ناديْتُ به كثيرًا.
وقد قلت قبل سنين كثيرة لعميد اللغة العربية وأدبها في هذا العصر الدكتور ناصر الدين الأسد: قلت له بأنه هو شريك، أو عضو، في مجمعين من مجامع اللغة العربية، لماذا لا تسعى هذه المجامع من أجل تنقية العربية من شوائب الأخطاء التي أُلصِقت بها؟ فردَّ علي: وهل مهمة هذه الجوامع إلا أن تجعل الخطأ صوابًا؟ سبحان الله! يعني الآن الخطأ شاع حتى أصبح هو الصواب، وكثير من الناس لو تكلَّم أحدٌ بالصواب لعدُّوه متقعِّرًا، وعدُّوه مخطئًا في كلامه.
شاعت الأخطاء شيوعًا غريبًا، هذا مما يقشعرُّ له البدن. أنا بنفسي أُواجِه في هذا مشكلات كثيرة، كثيرًا ما أكتب أو أقول أحيانًا، ويُنقَل كلامي أو يُنقَل ما كتبته، وإذا بالجماعة الناقلين يضيفون من قبل أنفسهم، أو يتبرعون عليَّ بكثير مما يتصورونه تعديلات، وإذا هي أخطاء، أخطاء يقشعرُّ لها الجِلْد، ويمرض منها الفؤاد.
هذه مشكلة، مشكلة يعني طغت وعمَّت، سيلٌ عمَّ وطمَّ، وأصبح لا يَسُدُّه شيء، لا يَرُدُّه شيء، وهذا مما يُبعِد الناس عن معاني القرآن الكريم كثيرًا؛ قد أصبح الناس لا يعرفون معاني القرآن بسبب هذه الأخطاء الشائعة؛ لأن الكلمات القرآنية لا يتبيَّن معانيها.
سألني سائلٌ في يومٍ من الأيام: كيف يقول الله تعالى في الذين كفروا: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ [الشورى: 16]؟ كيف قال: داحضة؟ ويتصوَّر أن "لَحَجَ" بمعنى "غَلَبَ"، ولا يتصوَّر العكس؛ لأنه لم يتبيَّن القرآن، لم يتبيَّن كيف استعمال القرآن؛ هي لغة تُوجَد: "لَحَجَ" بمعنى هدم الحجة واجتاح، ولكن لغة القرآن ليست كذلك؛ الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْـحَقَّ﴾ [الكهف: 56]، فاستعمال القرآن يستعمل هذه الكلمة رباعية، فاستعمال القرآن أصبحت مهجورة تمامًا.
القرآن الكريم يخاطبنا، والكل يقرأ القرآن، ولكن مع الأسف يقول الله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: 37]، بقبولٍ حسن، بفتح القاف، ولكن كم خطيبًا سمعته يقول: "بِقُبُولٍ"! سبحان الله! يقول: "قُبُول" بدلًا من أن يقول: "قَبُول".
وقلت لأحدهم: كيف تقرأ قول الله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾، تقرأ: "بِقَبُولٍ" أو "بِقُبُولٍ"؟ قال: "بِقَبُولٍ". قلت: ولماذا أنت في خطبتك تقول: "بِقُبُولٍ"، تقول: "قُبُول"؟ ما الذي يدعوك إلى هذا؟ أهذا لأجل الشيوع؟ مع أن هذا المصدر هو المصدر الوحيد الذي جاء على وزن "فَعُول"، وأُلْحِق به الوُجُو، والوُلُوع على أنهما اسما مصدرين وليسَا بمصدرين، ولكن على أنهما اسما مصدرين، ولكن الناس أبوا إلا أن يقولوا "قُبُول"، في حين أن ما كان على "فُعُول" ينطقونه على "فُعُول"؛ فهم يأتون بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»، بفتح الخاء، ويعتبرون ضمَّها خطأ، هذا لأجل أنهم ألفوا الخطأ فأصبح عندهم هو الصواب، وهذا مما وقع فيه الخطباء وغيرهم، بل وقع فيه الخطباء والفقهاء، ومما يُؤسَف له أن نجد كثيرًا من المفسرين أيضًا وقعوا في هذا الأمر.
حقيقة الأمر: هذا الأمر يجب أن تتضافر عليه الجهود؛ المدرسة لها دورها في هذا، والمعاهد العلمية لها دورها، ووسائل الإعلام لها دورها. وما يُؤسَف له، وأقول هذه الكلمة بكل أسف، كنت أتحدث إلى عميد اللغة العربية الدكتور ناصر الدين الأسد في يوم من الأيام، ذكرت له: كيف المذيعون يتصرفون؟ قال: لغة المذيعين تُمرِض قلبي، سبحان الله!