مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

استحضار ذكرى المولد

ما الذي ينبغي أن يستحضره المسلم عند تذكر مولد النبي صلى الله عليه وسلم في ظل أحداث العالم المعاصرة؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن سيرة النبي المصطفى عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام سيرة مملوءة بالعطاء المدرار الذي لم ينقطع لحظة من اللحظات منذ أكرم الله سبحانه وتعالى به الوجود فبرز فيه، وإلى يومنا هذا. فالنبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام أرسله الله سبحانه وتعالى على حين فترة من الرسل بعد ما استحكمت الضلالات في العقول، واستولت الخرافات على الألباب، وسيطر الظلم والبغي والجور في هذه الأرض، فكان الناس واقعين في أمر مُرّ من حيث الفكر، كما أنهم كانوا أيضاً واقعين في خطر داهم من حيث مصادرة حرية الإنسان والقضاء على معنوياته وعدم الاعتداد بحقه، كان الإنسان يعيش في هذه الدنيا على هامش هذه الحياة لا قيمة له، إنما كان هناك استبداد وظلم وبطش شديد وانتهاك للحرم وعدم المبالاة بحق هذا الإنسان الذي كرمه الله سبحانه وتعالى وجعله القطب الذي تدور عليه راحة الكون وجعله خليفة في هذه الأرض. فلما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم عرّف النبي صلى الله عليه وسلم الإنسان بقيمته من خلال تبصيره برسالته في هذه الحياة: لماذا خُلق، ومن أين مبتدؤه، وإلى أين منتهاه. عرفه عليه أفضل الصلاة والسلام –مما أنزل الله سبحانه وتعالى في كتابه وما أوحاه إليه من الوحي الباطني الذي تجسّدته سنته عليه أفضل الصلاة والسلام– أنه خُلق في هذه الحياة ليتحمل أمانة، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي كرّمه، وهو الذي أخرجه من العدم إلى الوجود، وهو الذي سخّر له كل موجود، وهو الذي أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وعرّفه بأن منتهاه إلى الله كما أن مبتدأه منه، وكما أن الله تعالى هو الذي أخرجه من العدم وأصبح يشق طريقه في هذه الحياة فإن منقلبه إلى الله، هذا المنقلب يعني منقلباً إلى حياة أخرى يلقى فيها جزاء ما قدّم في هذه الحياة، بحيث يُحاسَب على ما قدّم وأخّر، ويعطى ثوابه إن أحسن، وبعكس ذلك إن أساء، وهناك حياة الخلود فريق في الجنة وفريق في السعير. كما عرّف البشر جميعاً بقيمتهم، أن الإنسان مُكرَّم، فلذلك عليه أن يعرف هويته وأن يكتشف حقيقته، عليه أن يعرف أنه وُجد ليتحمل أمانة، هذه الأمانة ليست بالهينة، ثقلت على السماوات والأرض والجبال فأَبَيْن أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولاً، هذا الإنسان عليه أن يكون خبيراً بهذه الرسالة التي خُلق من أجل أن يتحملها، عليه أن يكون عارفاً للغاية التي خُلق من أجلها، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى هذه الغاية وبيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال عرض هذا البيان الرباني الذي جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58]. فالله سبحانه وتعالى هو الغني المطلق الذي لا يحتاج إلى أي شيء في هذا الوجود، وكل الوجود مفتقر إليه، والإنسان من ضمن هذا الوجود، فهو مفتقر إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما كرّم الله تعالى الإنسان بما آتاه من هذا الخير ليكون عبداً لله، بينما الموجودات الأخرى إنما هي مسخرة له، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13]. فإذاً على الإنسان أن يعرف أن هذه الكائنات إنما سُخّرت له ليقوم بهذا الواجب الملقى على عاتقه، وهو حسن عبادته لربه، على أن هذه العبادة لا تتجسد في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام فحسب، بل هذه أمهات العبادات، وإلا فكل عمل صالح يأتي به الإنسان تقرّباً إلى الله عز وجل إنما يُعَدّ عبادة، كل الأعمال الصالحة إنما هي عبادات، وبهذه العبادة ينسجم الإنسان مع نظام الوجود، ينسجم مع المنظومة الكونية التي أخبر الله سبحانه وتعالى عنها جميعاً بأنها تتفاعل مع عباد الله وتقوم بهذه العبادة، إذ هي تسبّح بحمده وتسجد لجلاله، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44]، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 18]. فإذاً الإنسان عندما يؤدي هذه العبادة إنما يدخل في هذه المنظومة وينتظم معها فيؤدي العبادة معها، وبهذا تتناسق حركته مع حركة الكون، بخلاف ما إذا كان لا يؤدي هذه العبادة. هذه العبادة هي الطاعة المطلقة لله سبحانه وتعالى بحيث لا يصدر إلا عن أمر الله، ولا يتجاوز حدود الله في أي شيء، بل يتقيد بأوامر الله تعالى ونواهيه، فلا يتعدى شيئاً منها قط، ولا يتصرف وفق هوى نفسه، والإنسان إن لم يكن قائماً بعبادة الله فإنه يكون عابداً لغير الله، يكون عابداً لهواه، أو عابداً لما يتصوّر منه النفع والضر، أو عابداً لما يريد أن يتقرّب إليه من الكائنات، وهذه هي من الشركيات والعياذ بالله تعالى، إنما العبادة يجب أن تكون خالصة لله، إذ الذي يستحق العبادة هو الذي خلق هذا الوجود. ولما أضاء أهل الجاهلية هذه الحقيقة تفرقت السبل، تقاسمَتْه السبل، فإنهم كانوا يعبدون معبودات شتّى حتى وصل الأمر بكثير منهم أنهم كانوا يصنعون آلهة من الحلوى والتمر، وعند الجوع يأكلونها، هكذا وصل بهم الضلال، وجاء الإسلام يعرّف الناس أن العبادة إنما هي لله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 21-22]. هذه هي العبادة التي فُرضت، فإذاً النبي صلى الله عليه وسلم حرّر الإنسانية من العبودية لغير الله، وجعل عبادته وعبوديته خالصةً لله سبحانه وتعالى. كما أنه عليه أفضل الصلاة والسلام عرّف البشر جميعاً بأنهم ينحدرون من أصل واحد، وأن بينهم جميعاً رحِماً من حيث إنهم جدّهم واحد وجدّتهم واحدة، هم من رجل واحد وامرأة واحدة، وهذا الذي نطق به القرآن، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1]، ويقول الله سبحانه وتعالى مبيناً أن الأصل إنما هو واحد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. وبهذا أبطل الإسلام جميع الموازين التي كان يزن بها الناسُ قيمَ الناس، أبطل جميع هذه الموازين، فلا اعتبار بالأنساب ولا الأحساب ولا أي شيء، إذ الناس جميعاً ليس بينهم وبين الله تعالى نسب، وليس بينهم وبينه سبب إلا التقوى، فمن أخذ بحظ وافر من التقوى فقد أخذ بحظ وافر من القيمة الإنسانية، لأن قيمة الإنسانية إنما تتمحّض في تقوى الله سبحانه وتعالى، وبهذا بطل كل ما كان عليه أهل الجاهلية، فلا عبرة بالمناصب والمراتب، ولا عبرة بالأعراف والأنساب، ولا عبرة بأي شيء مما كانوا يَزِنون به الناس، والناس على هذا إنما وجدوا بهذه الحالة بحيث صاروا شعوباً وقبائل من أجل أن يتعارفوا لا من أجل أن يتنافروا ويتفاخروا، وهكذا جاء الإسلام. فإذاً هذا الذي يجب علينا أن نستذكره الآن، وكل أحد تمر به هذه المناسبة أو غيرها من المناسبات أو يستذكر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم إنما عليه على أي حال أن يحرص على تجديد ما دَرَس من هذا الدين الذي بُعث به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يحرص على تجديد هذه الرسالة؛ فالعالم بحاجة إلى هذه الرسالة ومعطياتها، وكما قال بعض المفكرين الإسلاميين: إن العالم قد استدار كهيئته يوم بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فهو الآن بحاجة إلى دورة تاريخية تكون امتداداً لتلك الدورة التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالعالم يتطلع وهو في أشد الظَّمأ إلى أن يَرِد من هذا المورد الصافي، لذلك كان على هذه الأمة أمةِ القرآن أن تعرف كيف تقدّم هذا الخير العظيم إلى البشرية.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٧‏/٥‏/٢٠١٣👁 3 مشاهدة
🎬

فتاوى متنوعة - للشيخ أحمد الخليلي ليلة 16 ربيع الأول 1434 HD

السيرة النبوية

✦ فتاوى مشابهة

الانتفاع الشخصي بذكرى المولد

3 👁

كيف يتذكر المسلم ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه وسلوكه وأخلاقه ويتخذ من هذه الذكرى فرصة للتغيير من حال إلى حال؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/١‏/٢٠١٢

هل المولد تجديد للعهد؟

2 👁

هل ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم هي ذكرى لتجديد العهد مع سنته باتباعها، أم ذكرى عابرة باللسان فقط، وكيف نترجم حبنا له في ظل هذه الذكرى؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/١‏/٢٠١٢

بماذا تتذكر الأمة نبيها؟

2 👁

الأمة تحتفل بالمولد النبوي وهي تعيش الصراعات والشحناء والبغضاء، فعندما نريد أن نُذكّر هذه الأمة بنبيها صلى الله عليه وسلم فماذا عليها أن تتذكر حتى تعود إلى رشدها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١١‏/١٢‏/٢٠١٦

التعبير عن حب النبي في مولده

2 👁

كيف يعبر المسلمون عن حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم في يوم مولده، وماذا عليهم أن يصنعوا في هذه المناسبة؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

الاستفادة من ذكرى المولد

2 👁

كيف نستفيد من ذكرى المولد النبوي في الخروج من هذه الظلمات إلى مرحلة نرى فيها انتصار المسلمين وعلو كلمة الحق؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢١‏/١٢‏/٢٠١٥

تحديد تاريخ المولد

0 👁

هل يوم وشهر ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليهما، وما أثر ذلك على الاحتفاء بالمولد؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠