⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نحن إذا أدركنا أن سنن الله تعالى الكونية ليست هي أموراً طبيعية تجري وفق نظام معيَّن، وإنما هي أمور تأتي وفق الإرادة الربانية، لم يشكل علينا فهم هذا.
فالله عندما يريد أن يؤيِّد عباده المؤمنين يؤيدهم بالأسباب التي تُفضي إلى المسببات غير المعهودة، وعندما لا يريد ذلك لا يقع ذلك. فعندما أراد في غزوة بدر أن يعزز موقف المؤمنين بحيث أراد أن يعززه بملائكته، وأن يجعل للملائكة تأثيراً في هذه المعركة، تمَّ ذلك بإرادته سبحانه وتعالى، وعندما أراد حرمان المسلمين من هذا في غزوة أحد تم ذلك.
ولا ريب أن هنالك أسباباً؛ ففي غزوة بدر كانت القلوب جميعاً كقلب رجل واحد، لم يختلف المسلمون فيما بينهم، ولم يقعوا في مخالفة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل الجميع انتدبوا لنصرة الحق والدين، وتأييد الرسول صلى الله عليه وسلم، والوقوف بجانبه، وقد علمتم ما قاله المهاجرون والأنصار في هذه الغزوة، كيف أجابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا –على أي حال– كان سبباً لأن يعزِّزهم الله سبحانه وتعالى بملائكته، وأن يمدَّهم بهم، وأن يأمر هؤلاء الملائكة أن يثبتوا الذين آمنوا، وأن يقع بسبب ذلك النصر العزيز الذي حصل.
ولكن عندما وقع الاختلاف والتنافر في غزوة أحد أراد الله سبحانه وتعالى أن يلقِّنهم درساً لن ينسوه فيما بعد، حيث حصل ما حصل من الاضطراب، وأدى ذلك إلى تلكم الهزة العنيفة التي أوجفت قلوب المسلمين، وأرجفت الأرض من تحتهم، وحصل الذي حصل حتى يعودوا إلى الله، ويفهموا كيف أنهم لا بد أن يدركوا ويفهموا كيف أنهم لا بد لهم من أن يمتثلوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يترددوا في قبول أمره، يكون ذلك تأديباً لهم، وقد حصل ذلك فعلاً.
فإذاً هذه الأمور ليس بوسعنا أن نحكم عليها وفق أسباب معيَّنة ما عدا التسليم لأمر الله، وأنه يصرف الوجود كما يشاء.
فالله سبحانه وتعالى يرسل الغيث عندما يأتي السحاب، ويكتم اللقاح، ولكن عندما يريد أن يصرفه يصرفه، ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: 50]، هناك خلاف ما بين العلماء: هل معنى تصريف القرآن أو تصريف هذا الغيث أو هذا السحاب الذي أنشأه؟ هناك خلاف ما بين المفسرين، وكلٌّ من ذلك مصرف من أمر الله، فالقرآن مصرف، والغيث أيضاً مصرف، يصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء، تلك حكمة الله سبحانه وتعالى.
فإذاً لا عجب في كون المؤمنين يؤيَّدون في وقعة، ولا يؤيَّدون في وقعة أخرى بنزول الملائكة؛ لأن الأسباب إنما هي منهم، وإنما الله سبحانه يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد.