⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا، هذا يتصل بالجواب السابق، فحركة الحياة متغيرة مستمرة متنامية، وبالتالي لا شك أن أيضًا الحياة في الأوطان والمجتمعات تحتاج إلى تجديد وإلى إصلاح؛ إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حديث: «إن الله يبعث في هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها»، فكيف بأمر الدنيا؟ لا شك أن أمر الدنيا بحاجة إلى تجديد وإصلاح، وإلى مزيد من التطوير والنماء؛ لأن تطلعات الإنسان لا نهاية لها، ولأن احتياجات الفرد أيضًا لا تقف عند حد، ودائمًا ما يطمح الإنسان إلى ما هو خير مما هو فيه.
لكن هذا لا يعني –بحال من الأحوال عند العقلاء– أن يبدأ الإنسان من الصفر، بل هذا يعد سفهًا وجنونًا؛ فكيف بأمة لها رصيد تاريخي، وإرث حضاري، تتنازل عن ذلك كله وتهدمه لكي تبدأ من الصفر؟ هذا الكلام لا يقبله شرع ولا عقل، بل إن الله سبحانه وتعالى أمرنا بأن نسعى إلى الخير، وأن نزداد من الخير، حينما أمرنا بشكره؛ لأنه وعدنا بالزيادة، فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]، فإذا الزيادة من الخير.
وأمر نبيه فيما يتصل بالعلم –وهو الموحى إليه من عند ربه جل وعلا– فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].
وحينما وصف –وهذا ملحظ أتمنى أن ينتبه إليه شبابنا اليوم– حينما وصف هذه الأمة قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181]، فحينما وصف هذه الأمة وصفها بهذه الصفات: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا﴾؛ لأنه وصف قبلًا قوم موسى عليه السلام، قال: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159]، ثم وصف هذه الأمة بهذا الوصف فقال: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
أمة، وبالتالي يستدعي بالضرورة لا بد أن يكون لها وطن، ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ بصيغة المضارع، ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ بصيغة المضارع، أي أن هدايتهم للحق، وقيامهم بالعدل بالحق، وسعيهم لنشر الحق والعدل، هي عملية مستمرة؛ ولهذا استعمل في وصفهم الفعل المضارع لدلالته على الاستمرار في العمل نفسه، في الفعل نفسه: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، فلا يفرطون فيما لديهم من حق وصواب ومن نعم، وإنما يبنون عليها، وبناؤهم لا يكون إلا بالحق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، يعدلون مع أنفسهم ويعدلون مع غيرهم؛ يعدلون مع أنفسهم حتى في مطالبهم وفي مساعيهم لإصلاح مجتمعاتهم، ويعدلون مع غيرهم حتى حينما يقارنون؛ فإنهم ينصفون، ينصفون الآخرين، وينصفون أنفسهم، بل إنهم ينصفون الآخرين قبل أن ينصفوا أنفسهم، ومقياس ذلك هو الحق والعدل؛ بدليل هذه الآية، لأنه حينما قال: ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قدم الجار والمجرور ليدل على الحصر، فـ﴿وَبِهِ﴾ –أي: به لا بغيره– ﴿يَعْدِلُونَ﴾، و﴿بِهِ﴾ الضمير يعود إلى الحق: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
ولذلك فإن عملية البناء مستمرة، لا تنقطع عند جيل دون جيل، وعمر الأوطان أطول من أعمار الأفراد، والذي يُحسَب للأفراد أن يقدموا شيئًا يبقى لأوطانهم، ويحفظ لهم ذكرًا حسنًا في الدنيا والآخرة.