⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن التعزية شُرعت من أجل التسليَة، وهي كاسمها تعزية، أي تصبير، تصبير للمصاب على ألم المصيبة، حتى يذهب عنه هاجس الاضطراب النفسي بسبب المصيبة التي أُصيب بها. ومن المعلوم أن كل من فقد حميمًا له في هذه الحياة يؤثر عليه، ومع هذا فإن الله سبحانه وتعالى أمر بالصبر ودعا إلى الصبر، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157].
فخير العزاء أن يشعر الإنسان أنه عبدٌ لله، وأنه مِلكٌ لله، وأن الله سبحانه وتعالى لم يتصرف إلا في مُلكه، إذ أخذ تلك الروح من عبده وهي ملكه، والناس كلهم كتب عليهم الفناء: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]، فهذا مما يُسلِّي النفوس.
فالعزاء شُرع لأجل تسلية هذه النفوس التي أُصيبت حتى تطمئن إلى ذكر الله، ولكن مما يُؤسَف له أن كثيرًا من الجهلة إنما يؤججون حرارة العزاء، لا سيما النساء، عندما يأتين إلى النساء ويقمن منَاح، يبكين ويُبْكِينَ، هذا مما يخالف حُكم الله سبحانه وتعالى ويخالف مشروعية التعزية.
على أن العزاء عند السلف ما كان بهذه الطريقة، وإنما كان يُعزِّي الأخ أخاه أينما وجده، في أي مكان، من غير أن يلتزم البقاء في مكان معين، إلا أنه نظرًا إلى كون بقاء المصاب في مكان معين يَسهل لمن أراد أن يقدم إليه العزاء بأن يُعزِّيه عندما يجده في مكانه ذلك، وهذه من البدع الحسنة، فلا مانع منها، غير أنه لا ينبغي أن يمتد العزاء أكثر من ثلاثة أيام؛ لأننا نجد أن أثر المصيبة إنما يبقى إلى ثلاثة أيام، ما عدا مصيبة المرأة في زوجها؛ ففي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على رجلٍ أكثرَ من ثلاثة أيامٍ إلا على زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا»، فالحديث يفيد أن المصيبة إنما تكون لمدة ثلاثة أيام.
ولذلك فإن استمرار الأعزاء بعد ثلاثة أيام يُعتبَر من البدع، سواء كان عند الرجال أو كان عند النساء، ونحن نرى أن الخطاب للمرأة، وهذا لا يعني أن الرجل له أن يَحِدَّ على رجل، ولكن من شأن المرأة أن تَحِدَّ، الإحداد من شأن النساء، فلذلك خُطِبْنَ بهذا الشيء، ولكن هذا مع هذا كله، فإن على الكل أن يتقيد بهذا، بحيث لا يستمر في مواصلة جلسات العزاء أكثر من ثلاثة أيام؛ على أصحاب المصيبة ألا يستمروا أكثر من ثلاثة أيام، وعلى المُعَزِّين أيضًا ألا يواصلوا بعد ثلاثة أيام.
ونحن نوصي النساء بأن يتقين الله، على أنه –كما فُهِم من السؤال– يترتب على هذا وقوع مخاسير على الناس، ولا يجوز للمعزين أن يُنْفِقوا أصحاب المصيبة شيئًا من أموالهم، لا سيما أموال الميت؛ لأن مال الميت إنما ينتقل إلى ورثته، وقد يكون في الورثة أيتام، فلا يجوز لهم أن يُنْفِقوا شيئًا من أموالهم، وإنما عليهم أن يتقوا الله، وأن يُخفِّفوا عنهم مصيبتهم بعدم التسبب في خسارة شيء من أموالهم، عليهم أن يتقوا الله في ذلك.
ونَدعو الجميع إلى أن يُخفِّفوا؛ نحن نرى القرآن الكريم يدعو إلى نسيان المصيبة بعد الوقت الذي استعرت فيه نارها، يدعو إلى الصبر، بهذا الصبر ينسى الإنسان المصيبة: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، الكل لله، والكل مرجعه إلى الله، ففي هذا سلوى للجميع، فعليهم أن يتسلَّوا بهذا، وألا يواصلوا العزاء، هذا الذي يقتضيه الدين.
والله تعالى أعلم.