⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن العلم كلَّه له مزية في الإسلام ومنزلة عالية، إذ الله سبحانه وتعالى بيَّن في كتابه الكريم أن شرف الإنسانية إنما كان بالعلم؛ فقد ميَّز الله سبحانه وتعالى الإنسان بما آتاه من العلم، ولأجل ذلك جعله خليفة في الأرض، وهذا ما يؤذن به قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
والله سبحانه وتعالى توالت رسالاته إلى رسله، وبواسطتهم إلى عباده في الأرض، وكانت هذه الرسالات هي رسالات علم؛ لأنها جاءت أولًا لتعرِّف الإنسان بربه سبحانه وتعالى، ولتعرِّفه بمصيره، فجميع الرسالات كانت مُعرِّفة بالمبدأ والمصير، ثم مع هذا أيضًا جاءت هذه الرسالات لتعرِّف الإنسان بالحق الذي يجب عليه لله سبحانه وتعالى، وكيف يقضي هذه الحياة التي تبدأ بولادته وتنتهي بوفاته في طاعة الله، وماذا يرجو من هذه الطاعة في الدار الآخرة، وماذا يترتّب على انحرافه وعدم استقامته على طاعة الله تعالى أيضًا في الدار الآخرة، كل ذلك مما تضمّنته هذه الرسالات، فهي رسالات علم، كما أنها أيضًا وصلت الإنسان بهذا الكون الذي هو مسرح لاعتباره، ودفتر للاطلاع على آيات الله سبحانه وتعالى الشاهدة على وحدانيته.
وجاءت الرسالة الخاتمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مؤكدة على هذا، بل أول ما افتُتحت به هذه الرسالة هي كلمة "اقرأ" التي خُطِبَ بها النبي صلى الله عليه وسلم النبي الأمي من أجل إخراج هذه الأمة من الأمية، ومن أجل إخراجها من الظلمات إلى النور، ومن أجل اللحاق بها إلى ساحات العلم الواسعة، حتى تكون هذه الأمة في طليعة الأمم من حيث العناية بالعلم.
ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى نوَّه في كتابه الكريم في آيات شتى بهذا العلم، وبيَّن منزلة العلماء عندما قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يطلب الزيادة في العلم: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
وبيَّن سبحانه وتعالى أيضًا أن كل اجتراء على عمل أو على قول بغير علم إنما يؤدي إلى الهلكة والعياذ بالله، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، وقَرَن بين التقول عليه بغير علم وبين الإشراك به في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وبيَّن أن الدعوة إلى القول على الله بغير علم إنما هي دعوة الشيطان، وذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وأمر سبحانه وتعالى عباده عندما يتعذّر عليهم أمر، وتخفى عليهم حقيقته، أن يرجعوا إلى أهل الذكر: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وهذا يعني أنه لا بد من وجود العلماء في الناس.
ولا ريب أن هذه العلوم جميعًا هي علوم نافعة، ولكن العلوم تتفاوت بتفاوت آثارها في النفس وآثارها في حياة الأمة، ولذلك كان العلم الشرعي، وهو المعبَّر عنه بالفقه في الدين، من أهم العلوم؛ لأنه يصل العبد بربه سبحانه وتعالى، وأيضًا يحل مشكلة الإنسان في هذه الحياة من حيث صلته بالله، بحيث يعرِّفه بالعبادة الصحيحة التي يؤديها لله سبحانه وتعالى، ويعرِّفه بالواجب الذي يجب عليه لله تعالى، والواجب الذي يجب عليه لخلق الله عز وجل، ويحل كل مشكلة من مشكلات الحياة.
وقد بيَّن سبحانه وتعالى ضرورة وجود طائفة من الناس تتشبّع بعلوم الشريعة وتتمحور فيها لتمسك بزمام الأمر، ولتبرير الأزمات التي كثيرًا ما يرزحون تحت نيرها، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، كل ذلك مما يدل على أهمية دراسة الشريعة الإسلامية والتبحّر فيها.
ولا ريب أن المشكلات في هذه الحياة مشكلات متنوِّعة، وهي تتجدّد باستمرار بتجدّد هذه الحياة من خلال تطوّرها، هذه المشكلات لا بد لها من حل، وهي تختلف بين زمان وآخر؛ فهناك مشكلات تكون في بعض الأزمنة وقد تتوارى في أزمنة أخرى، وتظهر على الساحة مشكلات أخرى، وعلى هذا فمن الضرورة بمكان أن يكون هنالك علماء متفقّهون في دين الله سبحانه وتعالى، متبحّرون، متأهّلون للاجتهاد، بحيث يستجمعون جميع أدوات الاجتهاد، فيُعطون للناس الحلول في هذه المشكلات، مشكلات الحياة، حتى يكون الناس على بصيرة من دينهم، وخبرة من أمرهم، ليلقوا الله سبحانه وتعالى بصحيفة بيضاء.
فالعلماء الربانيون هم بمثابة الرُّبّان لسفينة هذه الحياة، يخرقون بها عباب بحر هذه الحياة إلى شواطئ السلامة، فالناس على أي حال إنما يسعدون بالعلماء الربانيين، وعليهم دائمًا أن يكونوا مستلهمين منهم الرشد، متعرّفين منهم على الحقيقة.