⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛ فإن الإنسان تكتفه نعَمُ الله تعالى من كل جانب، وهو بجانب ذلك أيضًا مشمول برعاية الله عز وجل، فهو بحاجة إلى أن يكون موصولًا بربه عند كل حالة، وفي كل موقف من المواقف. الإنسان لم يُخلق همَلًا ولم يُترك سُدًى، وإنما خُلِق لأمرٍ جلل عظيم؛ خُلِق ليعبد الله، وعبادة الله تعالى تعني الانقياد المطلق لعظمة الله المعبود الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، والذي لا تُكتنَه عظمته ولا تُحد قدرته، وهو على كل شيء قدير سبحانه، له الخلق والأمر، وله الحكم والقهر، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: 40]، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
فمن هنا كانت الضرورة أن يكون الإنسان في جميع أحواله موصولًا بربه. وما أعجب حال الإنسان وهو يمخر عُباب الجو بهذه الطائرة التي تقطع المسافات الطويلة في مدة قصيرة، والتي هي أيضًا تعوم في هذا الأثير بين السماء والأرض، ما أعجب حال هذه الطائرة، وما أقسى هذا الإنسان الذي يكون في هذه الطائرة وهو ينسى ربَّه، وينسى افتقاره إلى الله، ويُقدِم على معصية الله سبحانه وتعالى في هذه الطائرة؛ يُقدِم على شرب الخمر، ويُقدِم على تقديم الخمر للشاربين، ويُقدِم على فعل معاصي الله سبحانه وتعالى المتنوعة، ما أقسى هذا الإنسان: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾. ما أحوج هذا الإنسان إلى أن يستشعر الخشية من الله سبحانه وتعالى في هذا الموقف الجلل، وهو بين السماء والأرض.
ولا ريب أن الإنسان حتى في حياته هذه، وفي رحلته، فعليه أن يكون مسحوبًا بهذا الاستشعار في هذه الرحلة. كيف، وهذا الإنسان إنما رحلته على هذه الكرة الأرضية المعلَّقة في هذا الفضاء، التي تسير بسرعة مذهلة، سرعة تتجاوز سرعة الطائرة بكثير، بحيث تقطع في الساعة الواحدة في دورانها المستمر… فما أحوج الإنسان إلى أن يكون حتى وهو مستقر في بيته أو في أي مكان، يستشعر هذه الرحلة، ويستشعر هذه السرعة التي تسيره هذه الأرض من خلال هذا الدوران، ويستشعر أن عليه أن يتقي الله سبحانه وتعالى، وأن ينيب إليه، وأن يتضرع إليه.
فالإنسان مأمور على أي حال، عندما يركب طائرة أو يركب أي مركوب كان، أن يذكر الله سبحانه وتعالى، ومأمور أن يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: 13-14].
نعم، إن الإنسان سُخِّر له ما يركبه وينتقل به من مكان إلى مكان آخر، وما كان مُقرنًا له –أي مطيقًا له– لولا هذا التسخير الرباني. فما أحرى هذا الإنسان إذًا أن يخشع قلبه، وأن تسكن نفسه أمام هذا المشهد العظيم الجلل، وأن يتوب إلى ربه، وأن يتضرع إليه، وأن يستشعر نعمته التي تغمره؛ فكيف يقابل هذه النعمة بالكفران؟ كيف يقابل هذه النعمة بمعصية الله سبحانه وتعالى؟
لذلك في هذا الموقف لا بد من أن نقول كلمة الحق عملًا بقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104]، وأولئك هم المفلحون. فنحن ندعو جميع مؤسسات الطيران –أيًّا كانت– إلى محاربة الخمر، فإن الخمر –كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم–: «لعن الله الخمرَ وشاربَها، وساقيَها، وعاصرَها، ومعتصرَها، وحاملَها، والمحمولةَ إليه، وبائعَها، ومشتريَها، وآكلَ ثمنِها». هؤلاء كلهم مشتركون في اللعنة.
فعلى المؤسسات أن تتقي الله سبحانه وتعالى في هذا الأمر، وأن تتقيد بحكمه، وتَتَّبِع شرعه، وتتأدب بآداب الشريعة الإسلامية، وعلى الركاب أيضًا أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم، وألا يُقدِموا على هذه المعصية الجَلَل… والله تعالى مستعان.