⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإنه وللأسف الشديد قد انتشرت كثير من البدع في كثير من القضايا، وقد عمل بها كثير من الناس وتلقفوا، ومن المصائب أن كثيرا من الناس تنتشر فيما بينهم هذه البدع أكثر من انتشار السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليه الصلاة والسلام، ويجد العلماء وطلبة العلم صعوبة بالغة في رد الناس عن هذه البدع لأنهم ألفوها ووجدوا عليها أجدادهم وآباءهم، فعندما يقوم العلماء وطلبة العلم بإنكار كثير من هذه البدع يستمعون إليهم بدعوى أن تلك الأشياء قد شاهدها العلماء السابقون وسكتوا عليها ولم يقوموا بإنكار، ولو كانت من البدع المحدثة المخالفة لكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ لَقاموا بإنكارها، إذ أنهم لا يسكتون عن البدع وهم أكثر علما وورعا من هؤلاء المعاصرين. والحق والحقيقة أن هذه دعوى باطلة على أولئك العلماء الأعلام، فلا يوجد عالم من علماء المسلمين يسكت على شيء من البدع المخالفة لكتاب الله تبارك وتعالى، ولكن كثيرا من تلك البدع لم يعلم بها أولئك العلماء؛ لكونها انتشرت في غير ديارهم، ولأن كثيرا من العلماء قد أنكروا كثيرا من هذه البدع، ولكن هؤلاء الجهلة لم يقرؤوا ذلك عنهم لأنهم لم يطلعوا على كتب أولئك العلماء. ومن المعلوم أن وسائل النقل والاتصال في تلك الأزمان الغابرة كانت من الصعوبة بمكان، بخلاف عصرنا هذا، يتكلم الواحد الآن في الإذاعة وفي التلفاز ويستمع إليه جمع كبير من الناس، وهذه الوسيلة لا توجد في ذلك العصر. كذلك بالنسبة إلى الكتب والأشرطة، تطبع الآلاف الآلاف النسخ من الكتاب الواحد، أما في الزمن الغابر فيؤلف العالم الكتاب وقد لا يقوم أحد بنسخ نسخة أخرى، ولا سيما إذا كان ذلك الكتاب كبيرا، وقد تقوم طائفة قليلة من الناس بنسخ تلك الكتب وما شابه ذلك. ونحن نجد كثيرا من هذه البدع قد شدد فيها العلماء التشديد، فمثلا منذ مدة من الزمن عندما كان الناس من أهل العلم ومن طلبة العلم يقومون بالإنكار على من يذبح للأشجار والأحجار والمساجد وما شابه ذلك كالقبور، يقوم كثير من العامة بإنكار ذلك على أولئك العلماء وأولئك الطلبة بدعوى أن الشيخ الفلاني والإمام الفلاني لم يقم بإنكار ذلك، ونحن إذا طالعنا كتب العلماء من السابقين فإننا نجد كثيرا منهم قد تكلموا على هذه القضايا، بل منهم من شدد في ذلك التشديد وحكم بخروج من يذهب إلى هذه الأشجار والأحجار بدعوى أنها تنفع وتضر، حكم بخروجه من الإسلام رأسا وأنه في عداد المشركين والعياذ بالله تبارك وتعالى من ذلك. فهل يمكن أن ينسب إلى عالم أنه يسكت عن الذبح لغير الله تبارك وتعالى، عن الذبح للأشجار والأحجار وما شابه ذلك؟! اللهم لا، لا يوجد عالم يقول بذلك أبدا. فالعلماء أنكروا ذلك، ولم يقل أحد بجواز ذلك أبدا، ولم يبلغ ذلك العلماءُ فيسكتوا عليه، لم يسكت على ذلك أحد، وإنما بعض العلماء ذكروا ذلك في كتبهم، وبعضهم اكتفوا بتغيير ذلك في دروسهم وإجاباتهم التي لم تُذكر في شيء من الكتب المعتدة.
وقد وقع فيها – أي في قضية العدة، عدة المتوفى عنها زوجها – ذكرُ كثير من الجهل، أو وقع كثير من الجهل، في قضية العدة عدة المتوفى عنها زوجها، في بدع كثيرة كثيرة، لا دليل على شيء من تلك الأمور من كتاب ولا سنة صحيحة ولا حسنة، بل هي بدع مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ومنها هذه البدعة التي ذكرتموها في هذا السؤال، فالاغتسال في تلك الليلة التي تنتهي فيها عدة تلك المرأة لا دليل عليه من كتاب ولا سنة صحيحة ولا حسنة، ولم يقل به أحد من علماء المسلمين، وكيف يمكن أن يقول أحد من العلماء بذلك ولا دليل على ذلك، بل هو مخالف للأدلة الشرعية؟ فهذا الاغتسال من البدع التي ينبغي تركها، وأن يُنبه على أنها باطلة لا أساس لها.
إن أرادت هذه المرأة أن تغتسل في هذا اليوم كغيره من الأيام فلا بأس بذلك، أما أن تعتقد بأن هذا سنة من السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنه من الأمور المشروعة، فهذا لا، ثم لا، ثم لا. ومن العجب أن كثيرا من النساء تأتي بعض النساء وتقوم بقراءة بعض الأشياء على السِّدر، وتقوم تلك المرأة بالغسل بذلك الماء الذي خُلِط بذلك السدر، هذا من البدع، هذه الألفاظ من البدع المخالفة. كذلك في حالة الاغتسال من النفاس تقوم امرأة بقراءة شيء من الكلمات على ماء أو على سدر، وتقوم تلك المرأة بالاغتسال بذلك، بل في كثير من الأحيان تقوم امرأة بتغسيل تلك المرأة التي تخرج من عدة النفاس وتطَّلع على عورتها، وهذا – والعياذ بالله – معصية من معاصي الله التي يجب إنكارها. فهذه الأمور من البدع.
ومن البدع التي وقعت فيها النساء مثلا في حالة العدة من المتوفى عنها زوجها، تقوم الواحدة بلبس ثياب معينة في اللون والشكل، وهذا لا دليل عليه أبدا، إنما المرأة تلبس ثيابا عادية لكن غير مزينة بها. وكذلك بعض النساء في هذه الحالة لا يغتسلن الغسل العادي إلا في يوم الجمعة، وهذا باطل، لماذا لا تغتسل في يوم السبت أو الأحد أو الاثنين وهكذا في سائر الأيام؟ لا دليل على أن ذلك مخصوص بهذا اليوم. أما غسل الجمعة فذلك له شأن آخر، من أراد أن يصلي الجمعة فإنه يجب عليه أن يغتسل على رأي بعض أهل العلم، ويُندب في حقه ذلك على رأي طائفة أخرى، ثم هو في حق من أراد أن يصلي – على رأي كثير من أهل العلم – وفي حق الناس مطلقا في رأي طائفة أخرى.
وكذلك عند بعضهم أن المرأة لا ترى القمر، وعند بعضهم لا تصعد على السطح، وعند بعضهم لا تنظر إلى شيء مذكر، وإذا نظرت، وإذا نظر إليها رجل، عليها أن تعيد ذلك اليوم بدعوى أنه كفارة أو أنه قضاء لذلك اليوم، إلى غير ذلك من البدع الكثيرة الكثيرة التي لا داعي للإطالة بها، وإنما الذي يُشرع في حق المرأة أن تبقى، أن تمكث في بيتها الذي تعتد فيه، ولا تخرج إلا لحاجة، أما ما عدا ذلك فلا، وتعمل في بيتها ما شاءت. وكذلك إذا كانت تحتاج إلى الذهاب إلى مكان آخر من أجل حاجة لا يمكن أن يقوم شخص آخر بقضائها، فلا مانع من ذلك، فلا بد أن تمكث في بيتها.
والبيت الذي تمكث فيه هو الذي كانت تسكن فيه عندما بلغها خبر وفاة زوجها، أو عندما كانت تسكن فيه عندما كانت زوجة لذلك الرجل. أما ما ذهب إليه بعض أهل العلم من أنها تبقى في المكان الذي بلغها فيه الخبر، فهذا لا دليل عليه، والرواية التي وردت بذلك لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، إذ تبقى في المكان الذي كانت تسكن فيه في وقت حياة زوجها. أما المكان الذي ورد فيه الخبر، فلا يمكن أن يقال بأنها تسكن فيه، إذ إنه قد يأتيها الخبر وهي في بيت صديقتها مثلا – ذهبت لزيارتها – بل قد يأتيها الخبر في مدرسة أو في مستشفى أو في أي مكان آخر، تلك الرواية ضعيفة وإن قال بمقتضاها من قال من أهل العلم.
كذلك لا تلبس ثيابا بزينة، وكذلك لا تستعمل شيئا من العطور ولا من البخور، وهو داخل في العطر في حقيقة الواقع، وإنما ذكرت ذلك من أجل البيان، وكذلك لا تلبس شيئا من الحلي، سواء كان من الذهب أو الفضة أو الألماس أو من أي نوع آخر، وكذلك لا تكتحل. أما بعد ذلك فلا بأس، ولا بأس من أن تقوم باستعمال المشط؛ بعض النساء في العدة لا يستعملن المشط، وهذا مخالف للصواب، هذا ليس من باب الزينة. نعم، فهذه الأمور التي تُخاطب بها المعتدة، وما عدا ذلك باطل.
والله أعلم.