⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإذا كان التدخين كله سماً ناقعاً وشراً مستطيراً، وناراً تأتي على الصحة فتجعلها رماداً يذرى، فإن الشيشة هي أخطر من التدخين، إذ كل ما في التدخين من أضرار ومضار موجود في هذه الشيشة، فلذلك صارت هي جامعة لمخاطر التدخين جميعاً.
وإنما يزاد على ذلك أن هذه الشيشة مما يزيد من خطرها أن العدوى يمكن أن تنتقل من خلالها، فإن هذه الشيشة تنتقل من فم إلى فم، من شخص إلى آخر، هذا الشخص قد تكون فيه أمراض متنوعة، أمراض ذات أدواء، ومن خلال استعمال الشخص للشيشة بعد الشخص المصاب بالمرض فإن عدوى المرض تنتقل إليه.
مع أن الشيشة أيضاً يمكن أن تُستغل من أجل الترويج للمخدرات، يمكن لتجار المخدرات من خلال هذه الشيشة أن يضعوا فيها بعض المخدرات ويؤدي ذلك إلى إدمانها، فهي بكل هذه الاعتبارات خطر.
ولا ريب أن النصوص التي تدل على حرمة التدخين كلها تدل على حرمة الشيشة، فالله سبحانه وتعالى حذر الناس من أن يقتلوا أنفسهم، قال عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 29–30]، ولا ريب أن مدخن الشيشة قاتل؛ لأن مضار التدخين كلها تجتمع في هذه الشيشة، أيضاً يمكن أن تضاف إليها مضار أخرى كما ذكرنا، فإذا من استخدم الشيشة فقد عرض نفسه للقتل، قاتلٌ لنفسه، ومن قتل نفسه فهو بطبيعة الحال لهذا الوعيد الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾.
كذلك من المعلوم أن التدخين مضاره أكثر من أن يُحصيها الإنسان، ففي التبغ ـ وهو الذي يُستخدم في الشيشة نفسها ـ في هذا التبغ نحو ستة آلاف مادة سامة، من أهمها على الإطلاق النيكوتين، وإذا كانت هذه المواد السامة موجودة في هذا التبغ وهو الذي يُستخدم في هذه الشيشة، فلا ريب أن من استخدم التبغ إنما هو مبدل لنعمة الله تعالى، لأن التبغ مؤثر على الصحة، متلف للحياة، ومؤثر على المال، ومؤثر أيضاً حتى على العقل؛ لأن الدماغ يتأثر باستعمال التبغ، فهو مؤثر على كل ما تجب المحافظة عليه.
مقاصد الشريعة تدور حول المحافظة على العقل، والمحافظة على الدين، والمحافظة على الحياة، والمحافظة على المال، والمحافظة على النسب، والمحافظة على العرض، يعني يؤثر على ذلك، فالشيشة إذا استخدمت تؤثر، ومعنى هذا أن في استخدام الشيشة تبديلاً لنعمة الله، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: 211].
ثم إنها ولا ريب خبيثة لما احتوت عليه من الخبيث، تحتوي على هذه المادة الخبيثة، فهي بطبيعة الحال حكمها حكم الخبائث، والله تعالى يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4]، ومعنى ذلك أن الخبائث محرمة، ثم إن الله تعالى أكد ذلك في وصفه لرسوله صلى الله عليه وسلم عندما قال: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]، فإذاً الخبائث محرمة، ومن جملة الخبائث الشيشة، وهي تضر بصحة الإنسان، وتؤذي حياته، وتضر بماله، وتضر بعرضه، فبجميع هذه الاعتبارات من استعمل الشيشة فقد بدّل نعمة الله واستحق الوعيد الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وكذلك من المعلوم أيضاً أن استعمال التبغ يؤدي إلى الإضرار بالأولاد، سواء من حيث أن الإنسان الذي يدخن قد يدخن بحضور أولاده، فيسري إليهم ضرر هذا التدخين وإن كانوا لا يدخنون، وذلك هو ما يسمى بالتدخين القسري، وضرره ضرر كبير، وفي كل عام تموت أعداد هائلة بسبب التدخين القسري، فهذا فيه قتل للأولاد، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: 151]، ويقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: 31]، وليس ذكر الإملاق أو خشية الإملاق مقيّداً لهذا الحكم، لأن ذكر ذلك إنما هو وارد مورد الأغلب المعتاد، وما كان كذلك فإنه لا يُعتد بمفهومه المخالف، أي لا يُستدل بمفهومه المخالف.
وكذلك استخدام الشيشة فيه تبذير للمال، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 26–27]، والإسراف يمنع حتى أن يأكل بعد الشبع أو أن يشرب بعد الري، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]، وإذا كان ذلك ـ أي الأكل فوق الشبع والشرب فوق الري ـ يعتبر إسرافاً، فإن استعمال هذه الشيشة والإنفاق عليها إسراف، وأشد الإسراف، وأسوأ الإسراف؛ لأنه تبذير للمال فيما لا طائل تحته قط، فيما لا ينفع الجسم، ولا ينفع العقل، ولا ينفع النفس، ولا ينفع أي جانب من جوانب الحياة، بل يتلف الحياة ويقضي عليها، هذا فيه من الضرر ما لا يُحصى.
وإذا كان من القبيح بأي عاقل، كان ذكراً كان أو أنثى، أن يستعمل الشيشة أو أن يدخن، فإنه يتضاعف قبح ذلك عندما تقوم المرأة باستخدام هذه الشيشة وتنثر هذا الدخان من خلال فمها ومن فيها، فإن ذلك مقبّح لجمال المرأة، ومشوّه لحسنها، ومشوّه لحدّتها، ومعاكس لفطرة المرأة التي من شأنها أن تحرص على الحياء، وأن تحرص على الخفر، وأن تحرص أيضاً على المحافظة على الجمال، فأيُّ جمال في هذا عندما تقوم المرأة تستخدم هذه النار كأنما تأكل ناراً وتُخرج دخانها من خياشيمها ومن فيها؟ هذا أمر غريب.
وأنا أعجبت من النساء اللواتي يدخن، سواء يدخن السجائر أو يدخن الشيشة، كما أعجب من الفتيات الصغار، وأعجب أكثر فأكثر من الرجال الذين يسمحون لبناتهم ويسمحون لنسائهم بأن يدخن الشيشة أو يدخن السجائر، فإن هذه آفة من الآفات، وكل واحد مسؤول عما هو راعٍ له؛ في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، والرجل راعٍ في بيته، فهو مسؤول عن رعيته.
فعلى الرجل أن يتقي الله تعالى في نفسه، وأن يتقي الله في أولاده، وأن يتقي الله تعالى في نسائه، وعليه أن يحرص على أفئدة كبده، وعلى ثمرات فؤاده، من أن يتورطوا في هذا الأمر الخطير.
والله تعالى المستعان.