⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا شك أنه ورد ترغيب في هذه المعاني، نعم، لكن الترغيب الذي ورد في شرع الله تبارك وتعالى إنما هو في الحسن المحمود المقبول منها.
ولذلك ورد في كتاب الله عز وجل: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، فالأصل في الشفاعة: أنما هو ضمُّ جهدٍ لمستحقٍّ لوصول حقٍّ إليه، أو جلب منفعة، أو درء مضرَّة، أو إذن أو فساد عنه؛ فهذا المعنى مقبول شرعًا.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اشفعوا تُؤجَروا»، وفي رواية: «اشفعوا فلتؤجروا»، نعم «اشفعوا فلتؤجروا»، وهو عليه الصلاة والسلام بنفسه قد شفع في مواقف شتى؛ فقد شفع في قصة بريرة فسألته عن زوجها مغيث، فسألته: هل تأمرني يا رسول الله؟ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «لا، إنما أنا شافع»، أو قال: «ما أنا إلا شافع».
فهذا المقدار من الشفاعة المحمودة، التي سماها القرآن الكريم الشفاعة الحسنة، هذا أمر لا إشكال فيه، بل هو مُرغَّب فيه ومندوب إليه، وقد يكون واجبًا في بعض الصور، كان يتعين على شخص ذي وجاهة في المجتمع أن يدفع عن آخر سوءًا أو ضرًّا أو أذى، أو يدفع عنه ظلمًا، ولا يوجد غيره يدفع عنه ذلك، فإن عليه أن يبذل ما يستطيع من وجاهة وسلطان ومكنة لأجل دفع الظلم عن أخيه.
نعم، هذا لا إشكال فيه، وفيه تفريج الكرب والتنفيس عن المؤمنين، ففيه أجر عظيم وثواب من الله تبارك وتعالى.
لكن هذه المصطلحات اليوم صارت تُصرَف إلى ما دلَّت عليه الآية الكريمة في شقها الثاني، في خاتمتها: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾، نعم؛ فمن خرم منه شرط الاستحقاق –أي لم يكن الشخص مستحقًّا– أو كان فيه إحقاق لباطل، أو كان فيه تزيين لباطل، أو إبطال لحق، إبطال لحق مستحقٍّ لصاحبه، أو كان فيه تعدٍّ على حقوق من هم أولى، فإن هذا من الشفاعة السيئة التي يأثم صاحبها ويتحمل وزرها ويتحمل وزر السعي فيها.
نعم، بل حتى في الشفاعة الحسنة التي هي النوع الأول، إن كانت الوسيلة محرَّمة فإنها تحرُم؛ فحتى لو كانت لمستحق، وتجلب له خيرًا أو تدفع عنه مضرَّة، إلا أنه يتوصل إليها بالرشا، أو يتوصل إليها بالإكراه، فكل هذا لا يجوز شرعًا؛ إنما يسعى المسلم فيما كان معروفًا، وفيما كان من الخير والهدى والرشد للمستحقين، هذا لا إشكال فيه.
ولذلك حتى في كتاب الله عز وجل نجد أن الأمر بالتعاون على البر والتقوى جاء مقدمًا على النهي عن التعاون على الإثم والعدوان، ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
لكن الذي حصل أن الناس صارت اليوم –للأسف الشديد– يزيِّنون هذه الأفعال المحرَّمة الممقوتة شرعًا بأسماء مساعدة هي في ذاتها مقبولة محمودة، فيسمون الشفاعة السيئة واسطة أو محسوبية، أو يسمونها –وهذه لا تبرر لهذه الأفعال لأنها محرَّمة– فقد يسمونها إكرامية، أو هدية، أو كلمة شكر، أو تعاون على البر، أو رد جميل وعرفان بجميل، إلى غير ذلك من المظاهر التي نجدها في مجتمعاتنا للأسف الشديد، وهذا من تزييف الحقائق، ومن جعل الباطل يبدو في ثوب الحق المقبول، وهذا لا يغير من الحقائق شيئًا.