⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الإمامة للصلاة لا شك أنها أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة، وأصل كلمة الإمام يُؤخذ منها معنى الاقتداء والتأسي؛ فقد ورد في كتاب الله عز وجل أن من شأن أهل التقوى والصلاح أنهم يدعون ربهم تبارك وتعالى بقولهم: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]، فهم يطلبون من ربهم جل وعلا أن يبوّئهم هذا المبوأ الكريم، بحيث يكونون قدوة يُتأسى بهم في الخير والهدى والصلاح.
ونجد أن الله عز وجل أيضًا وصف طائفة من أنبيائه الكرام عليهم السلام بأنهم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [السجدة: 24]، وهذا فيه دلالة على أن هذه المنزلة منزلة تكريم، ومنزلة علو أرادها الله تبارك وتعالى لبعض عباده. ووصف أيضًا بعض أنبياء بني إسرائيل – وقيل: إنها في صلحاء من بني إسرائيل – بمثل هذا الوصف: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: 73]، وقال عن إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124].
إذًا كلمة الإمامة نفسها – حتى من حيث دلالتها اللغوية، واستخدامها القرآني – فيها معنى التكريم والقيادة والريادة وتأسي الآخرين والاقتداء به، وهذا يجعل إمام الصلاة مستحضرًا لهذه المعاني؛ فهو في منزلة يُقتدى به فيها، وفي مكانة يُتأسى به الناس، وقد يحتجون بأفعاله وأقواله، لأنهم ينتظرون منه – وهو وفدهم إلى ربهم جل وعلا – ينتظرون منه أن يكون أكثر حرصًا على عبادته، وعلى دعائه، وعلى خُلقه، وعلى هيئته.
وهذا مما يُحمد للناس أيضًا حتى لا تضيق نفوس الأئمة؛ هذا مما يُحمد في الناس أن ينتظروا منهم، أن يُتوقَّع من أئمة صلواتهم، من وفدهم إلى ربهم تبارك وتعالى، أن يكونوا في هذه المنزلة.
إذا أتينا إلى أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نجد أنها أيضًا أنزلت أئمة الصلاة منزلة رفيعة، فحينما يقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن»، فالإمام ضامن: يعني أنه مسؤول، كفيل، بصحة صلاة من يصلي خلفه، من يأتَمُّ به، وهذه لا شك مسؤولية عظيمة، ولذلك قال: «اللهم اغفر للأئمة، وارشد المؤذنين»؛ فدعا للأئمة بالمغفرة لحرصهم على أن تكون صلاة من يأتَمُّ بهم صلاة صحيحة موافقة للشروط الشرعية.
ويكفينا هديه عليه الصلاة والسلام، فهو قدوة الأولين والآخرين، وهو إمام الأتقياء صلى الله وسلم عليه، ولذلك كان يؤم المسلمين جميعًا ويقتدون به ويتأسون، فهؤلاء الذين يؤمّون المسلمين اليوم في صلواتهم أنزلوا أنفسهم منزلة الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ولذلك فإن عليهم أيضًا أن يكون هذا المعنى حاضرًا في أذهانهم عندما يأتون لهذه العبادة الجليلة العظيمة، ويكونون سببًا لتآلف قلوب المصلين خلفهم، ولسماعهم لآيات الكتاب العزيز، ولتخشع قلوبهم، وليعطوا من أنفسهم حقيقة جوهر هذا الدين في اجتماع أهله، وفي إقدامهم على الله تبارك وتعالى، وفي حرصهم على الصلاة في مواعيدها، وفي إتمام شروطها وأركانها.
فكلمتي إذًا: وجوب أن يستحضر الأئمة هذه المعاني، وأن يكونوا حريصين على أن يُنزلوا أنفسهم هذه المنزلة التي بوّأهم إياها ربهم تبارك وتعالى، وأن يستشعروا عِظَم هذه العبادة التي يؤدّونها، وهذه الأمانة التي تحمّلوها، وألا ينظروا إليها على أنها وظيفة كسائر الوظائف؛ فهي وظيفة لأنهم يحبِسون أنفسهم لها، ويجتهدون في إتقانها، ويكونون سببًا – كما تقدم – في اجتماع كلمة المصلين، وفي تألّف قلوبهم، وفي خشوعهم، وإقبالهم على الله تبارك وتعالى بكل تذلل وتقوى وخشوع لله عز وجل، لا يصح لهم أن يُفَوِّتوا كل هذه المقاصد وهذه المعاني.
وفي المقابل أيضًا فهي كلمة لجماعة المساجد أيضًا: لا تُضيّقوا على أئمتكم، كونوا أعوانًا لهم على الخير، والالتزام، والصلاح، والرشد؛ لأن البعض – فيما يظهر – أيضًا يضيّقون عليهم فيما فيه سَعَة، وما فيه رخصة شرعية، لا ينبغي أن يُضيَّق على أحد فيه، ولو كان ذلك من باب الأَوْلى، فحينئذ يكون للنصح مجال، لكن بطريقة مناسبة، طريقة فيها من الحكمة ما لا يُنفِّر القلوب.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا جميعًا، وأن يلطُف بنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
آمين يا رب.
والله تعالى أعلم.