⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
صلاة الميت –مما لا يعرفه كثير من الناس– أن الخلاف فيها حتى في عدد تكبيراتها، نعم، فهم يظنون أن لها هيئة أو هيئتين فقط، ولذلك يسألون عن الترجيح بينهما، ولا يدرون أن فيها الكثير من الأقوال في وصف هيئات صلاة الميت.
لكن الهيئة التي الأدلة الشرعية أكثر، هي أن يكون بعد التكبيرة الأولى سورة الفاتحة، نعم، ثم بعد التكبيرة الثانية الإتيان بالصلاة، ما يُعرف بالصلاة الإبراهيمية على نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، ثم بعد التكبيرة الثالثة يكون الدعاء للميت ولعموم المسلمين للأحياء منهم والأموات، نعم، ثم التكبيرة الرابعة التي يعقبها التسليم.
والهيئة التي أشار إليها –هي أيضًا هيئة قال بها كثير من العلماء لا سيما من علمائنا– نعم، وهي تختلف في أنها بعد التكبيرة الثانية أيضًا يُؤتى بسورة الفاتحة، نعم، ونظر العلماء الذين قالوا بهذه الهيئة إلى أن الفاتحة فيها ثناء وحمد وتمجيد لله تبارك وتعالى، كما أن فيها –مع هذا الذكر والثناء– فيها دعاء، فكثيرٌ منهم ذكر أن هذا هو الملحَظ لتكرارها.
لكن الذي تسعفه الأدلة هو ما تقدَّم، والله تعالى أعلم.
ولا ينبغي التضييق أيضًا، نعم، لأنها هيئات، حتى في صيغة الدعاء –على سبيل المثال– لم تَرِدْ صيغة ثابتة موحدة يمكن التعويل عليها والقول بأن في الأمر توقيفًا لا مناص من التقيد به، وإنما وردت –أيضًا– يعني صيغ كثيرة، خلاصتها: الإتيان بما هو مشروع، بما هو مأثور من الأذكار والأدعية للميت ولعموم المسلمين للأحياء منهم والأموات، وللنفس، لا سيما فيما يتعلق بما يُطلب للآخرة.
هل تنصحون –فضيلة الشيخ– طلبة العلم ومجموعات الذين يقرؤون في كتب العلماء؟ إذا كانت المسألة بهذا القدر من الخلاف ومسائل أخرى أن يسكتوا أو أن يحملوا الناس على قول واحد، لا، أن يُبيِّنوا للناس السَّعة في مثل هذه المسائل.
هي مسائل فرعية، وكل هذه الهيئات هي هيئات مقبولة صحيحة، هناك ما هو أرجح منها وأفضل، لكن هذا لا يعني أن القائلين بما هو أرجح وأفضل أنهم يُخطِّئون الهيئات الأخرى، وإنما يرون أن الأَوْجَه والأولى هو ما تسعفه الأدلة الشرعية، لكنهم لا يقولون في مثل هذه المسائل الفرعية بالتغليظ، فبَثُّ هذه الروح، وبيان هذه المرونة هو الأولى من حمل الناس على قول واحد على سبيل الإلزام دون تفهيم، فسيؤول الحال إلى أن يطلب الناس ما هو أفضل حينما يفهمون هذه السَّعَة.
ودائمًا ما أؤكد على أن القرآن الكريم –كما أنه يشتمل على منهج، أو يشتمل على رسالة فيها من المواعظ والهدايات– فهو يعلمنا المنهج، نعم، يعلمنا منهج التفكير: كيف نفكر، كيف نحلل الأدلة، كيف نستنبط النتائج من البراهين، فيما يتعلق بالتفكير: كيف نرتب أولويات تفكيرنا، ما الذي يُعتد به وما الذي لا يُعتد به من الأدلة والحجج والبراهين، كيف نحاور غيرنا فيما يتعلق بهذه الجوانب الفكرية والعقلية.
ثم هو أيضًا يعلمنا منهج التدرج في الخطاب، أو ما يُعرف اليوم بالتدرج في الدعوة، ومنه التدرج في تعليم الناس، والتدرج في تفقيهِهم. فقد وصف ربنا جل وعلا نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].
هذا في حق من خالفوا أمره في معركة أُحُد، وكانت تلك المخالفة سببًا لهزيمة تكبَّد المسلمون فيها خسائر كثيرة، أصيبوا في خيار المسلمين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله تعالى عليهم، ومع ذلك يأتي هذا التوجيه الرباني؛ لأنه خطاب من عند الله عز وجل الحكيم الخبير الذي يعلم طبيعة البشر، فهي بحاجة إلى تأليف.
هؤلاء هم الصحابة الكرام رضوان الله عز وجل عليهم، ومع ذلك فإن الآية تقول: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، ويقول في آخر سورة التوبة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
فما أحرانا اليوم أن نأخذ هذا المنهج في الدعوة والتفقيه والتعليم؛ لأنه لا يقل أهمية عن منهج التفكير الذي نأخذه من القرآن الكريم، ولا يقل أهمية ومنزلة عن مضمون ما يشتمل عليه القرآن الحكيم.
جزاكم الله خيرًا، فضل الشيخ، على هذه التوجيهات الرائعة.