⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
يعتمد، يعتمد ذلك. نحن هنا نضع منهجًا يكون المقياس فيه عند المكلَّف نفسه؛ لأنه كما تقدَّم أيضًا: كلٌّ ورزقُه وغناه، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ﴾ [الطلاق: 7].
لكن كما تقدَّم: مجاوزةُ الحدود، حدودِ الاعتدال والقصد، هي التي تُفضي بالإنسان إلى الوقوع في الإسراف أو في التبذير؛ فحتى في المشي، حتى في الصوت؛ فالقرآن الكريم حينما يقول: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ [لقمان: 19]، مجاوزةُ الحدود في كل شيء منهيٌّ عنها في هذا الدين؛ هذا الدين جاء بمنهجِ قصدٍ، عدلٍ، وسطٍ راشدٍ لصياغةِ هويةِ هذا الإنسان في كل ما يأتيه وما يذر، في خُلُقه، في قيمه، في ملبسه، في مشربه.
والحياة الدنيا كلها متاع، لكنها متاعٌ زائد، والله تبارك وتعالى أراد لهذا المكلَّف –حتى فيما آتاه إياه، حتى ولو اتسعت ثروته وغناه– أن يبتغي به ما عند الله عز وجل: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: 77].
ونتذكَّر أن الله تعالى في كتابه الكريم قصَّ لنا قصة ذي القرنين، وقال بأنه آتاه من كل شيءٍ سببًا، ومع ذلك لما أراد منه القوم أن يبني لهم رَدْمًا، أن يبني لهم سدًّا، قال أول ما قال: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: 95]؛ ما مكنني فيه ربي خير، يعترف بفضل الله تعالى عليه، وأن هذا الذي أوتي إياه إنما هو تفضلٌ من المولى الكريم عليه، وليس هو باستحقاق له.
صحيح، وهذا مما يجب على الناس، يجب على المكلَّفين أن ينتبهوا إليه؛ فإن الذي أتاهم الله عز وجل إياه، سواء كانوا أفرادًا أو مجتمعاتٍ أو أوطانًا، إنما هو من فضله سبحانه وتعالى الذي لا تفنى خزائنه؛ فلا يصح لهم بحال من الأحوال أن يعدوا أن ذلك إنما هو ناشئ عن استحقاقهم؛ فإن لهم أيضًا في القرآن الكريم عِبرةً في قصة قارون الذي قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78]، فكانت النتيجة أن خسف الله به وبداره الأرض.
إذًا، ما ذكره السائل لا يُحكَم عليه بقالبٍ جامد، وإنما يُنظَر فيه إلى حالته الماديَّة من غنى وفقر أو تَوَسُّط حال، وإلى ما يقتنيه أيضًا؛ فقد تكون قيمةُ عشراتٍ من النِّعال لا تساوي قيمةَ نعلٍ واحدة؛ لذلك قلت: لا نريد أن نضع قوالب جامدة، وإنما نريد أن نؤسِّس لمنهجٍ يكون مأخوذًا من كتاب الله عز وجل ومن هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم بعد ذلك كلٌّ وضميره، واستشعاره لمراقبة الله عز وجل له، ومقصده ونيته وما يبتغيه من ما يقتنيه في كل ما يقتنيه.