⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أبواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد، فلا ريب أن واقعنا المعاصر أنتج الكثير من الوسائل والأدوات، وهذه الأدوات تحتاج إلى تفقه في كيفية استعمالها، أو ما يسمى باللغة المعاصرة ثقافة في كيفية التعامل معها، وفي أخذ خيرها واجتناب شرها.
فإن من المعلوم أن هذه الأدوات والوسائل فيها الكثير مما هو شر وباطل وفساد، وكما أنها وسائل فيها كثير من الخير والحق والرشد والهدى، لكن المستعمل بحاجة إلى فقه في كيفية، أي فهم صحيح، لكيفية تعظيم منافعها وأخذ خيراتها واجتناب شرورها ومضارها على نفسه وعلى أهل بيته.
وإذا تعلق الأمر بالأجيال الناشئة فإن المسؤولية أعظم والأمانة أكبر، هذه الأمانة يشترك فيها المربون من الأولياء في البيوت، والمعلمون، وأصحاب القرار، ويشترك فيها المثقفون والكتاب والأدباء، خصوصا الذين يوجهون إنتاجهم إلى الأطفال وإلى الناشئة، بحيث إن هذا الاشتراك في أداء هذه الأمانة يمكن أن يحقق المطلوب بأن يرث النشء وعيا صحيحا وثقافة راشدة في كيفية التعامل مع هذه الوسائل بما فيها من تطبيقات وبرامج، وبما فيها من وسائل التسلية والترفيه، وبما فيها من منتجات ثقافية ومعرفية وعلمية.
وأولى ما يُعتنى به ما يتعلق بجانب العقيدة، سواء كان ذلك بحفظ هذه العقيدة وصيانتها من الشبهات والأباطيل، أو كان بتعظيم كل ما يتعلق بأمر العقيدة وبثها ونشرها ودعوة الآخرين إلى التعرف عليها، ثم ما يتعلق بتعظيم أحكام الدين وعدم التهاون فيها وحفظ حدودها، ويلي ذلك الأخلاق والقيم.
هذه الثوابت لا بد أن تلتقي عليها جهود كل من تقدم ذكرهم، وأن يولوها عنايتهم بالفرز والفحص والتدقيق، بل وبإنتاج ما يمكن أن يحقق مقاصدها، بحيث لا نقتصر على أن نكون مستهلكين لما يرد إلينا من غيرنا، بل الواجب أن ننتج.
فإن لم يتأتَّ لدولة واحدة، فما أجمل أن تجتمع البلاد الإسلامية، وأولاها البلاد الناطقة بالعربية، البلاد العربية، على إنتاج تطبيقات وبرامج ووسائل، حتى فيما يتعلق بالألعاب المباحة وبوسائل الترفيه المباحة، أن تجتمع الجهود من المبدعين والتقنيين والفنيين والمصممين، وممن يكتبون المضامين أو يُعدُّون مضامين هذه التطبيقات والوسائل، ويخرجون الأجيال المسلمة بما يحفظ لهم هويتهم، ويعزز لهم عقيدتهم، ويصون لهم أخلاقهم، وبما يجعل منهم عناصر فاعلة بناءة في الالتزام في أنفسهم، وفي دعوة الآخرين بإعطاء النموذج للشباب الصالح الحريص على الخير، الداعي إلى الهدى والرشد، النابذ لكل أنواع المجون والسفاسف من الأمور، والنابذ بكل أنواع الغلو والتطرف، السائر على هدي الاعتدال والتوسط والقصد في الأمور كلها.
ومن أجل ذلك فإن ما هو متاح الآن في هذا العالم المفتوح في هذه الوسائل والتقنيات لا يصلح كله لكي يكون متاحا للناس جميعا، لأن بعض هذه البرامج والتطبيقات يكاد ينعدم الخير فيها، هي مبنية أصلا على نشر الرذائل وعلى المجون وعلى الفسق وانحطاط الأخلاق، فمثل هذه على أصحاب القرار في البلاد الإسلامية أن يحجبوها أصلا، أن تُمنَع؛ إذ لا خير فيها أبدا ولا منفعة منها، والشواهد على عظيم أضرارها على البلدان التي فُتِحت فيها لا حصر لها، فلماذا تُفتَح؟ مع أن البدائل الأخرى كثيرة.
وهذه البدائل لا يعني أن تُقبَل على عِلاتها، بل لا بد أن يكون فيها من التقييد والضوابط، كالتعرف على هوية المستعمل مثلا، بحيث لا يستعمل برنامجا أو تطبيقا معينا إلا بإدخال بياناته، وهذا تفعله حتى البلاد المتقدمة؛ لا يسمحون لكثير من المواقع والبرامج، سواء تعلقت بما يمكن أن يكون فيه شيء من العنف أو الجنس أو شيء من الحرية المبالغ فيها، فإنهم لا يسمحون إلا بإدخال البيانات الشخصية، بحيث يكون هناك حاجز يمنع البعض من الولوج.
المراقبة الحاضرة أشد أثرا من الرقيب الغائب؛ فإذا كانوا لا يخشون الله تبارك وتعالى فلا أقل من وجود مثل هذه الحواجز.
وتقدم أن بعض التطبيقات والبرامج هذه الواجب أن تُمنَع، وهناك بلدان ودول لا تمت إلى أي دين سماوي بصلة، ولا تحكمها المنظومة الأخلاقية التي تحكم بلاد المسلمين وهوية المسلمين، ولكنهم مع ذلك منعوا الكثير من هذه البرامج لما رأوه من عظيم ضررها على الشباب، ومن إفسادها لهم ولطموحاتهم، ولتحويلهم إلى غثاء لا نفع من ورائه، وهم لا يريدون لشبابهم أن يكونوا كذلك، فكيف نرضى نحن، هذه الأمة ذات هذا الدين الحنيف السمح، وذات هذا التاريخ العريق والحضارة الشامخة، نقبل مثل هذا الغثاء ونسمح به لأجيالنا؟
فالمسؤولية عظيمة، ولا بد من تضافر الجهود في سبيل… وغير صحيح أن هذه الوسائل والتطبيقات هي بيد المستعمل، هذا غير صحيح؛ وأن الذي يتحكم فيها هم المستعملون، فقد رأينا أيضا أن هذه التطبيقات والبرامج والمواقع هي التي تتحكم، هي التي تبسط هيمنتها فيما يوافقها فتسمح به، وما يخالفها ولو كان حقا ونصرة لمظلومين وقضايا عادلة، إلا أنه إن كان مخالفا لتوجهاتهم فإنهم يمنعونه ويحجبونه ويضيِّقون على أصحابه.
فكيف لا نتعامل نحن فيما نستعمله، فيما نحتاج إليه، بما يتناسب مع أخلاقنا وديننا وهويتنا؟ ولا ينبغي للأولياء خصوصا، والمربين، والمشتغلين بالتربية والتعليم، وصانعي مثل هذه البرامج والتطبيقات من أبناء المسلمين، أن يغفلوا عن مثل هذه المعاني، ومن باب أولى الجهات المعنية بالتصريح وبالإذن بمثل هذه التطبيقات أو بالتصريح لها أو بمنعها، من أن يمنعوا التطبيقات والبرامج والمواقع التي هي سبب لنشر الرذيلة والمجون والخلاعة والفسوق عياذا بالله، فضلا عما يكون معارضا لأصل الدين، وهادمًا لبِنات هذا الدين فيما يدعيه أصحابه.
فهذه هي الكلمة التي يمكن توجيهها باختصار شديد في هذا، والله تعالى الموفق.