مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

حكم الاستحلاف بالرسائل

ما حكم قول البعض في الرسائل والمقاطع: استحلفكم بالله أن تنشروها، وهل يعد ذلك يمينًا؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإنه لا ينبغي للمسلم أن يستحلف غيره، فإن هذا ليس من شيم أهل الفضل ولا من خصال أهل الصلاح والتقوى، ذلك أن اسم الله تبارك وتعالى عظيم، فلا ينبغي أن تلوكه الألسن فيما لا حاجة إليه، فيما لا يحتاج إلى إيمان ولا إلى تأكيد. إلا أنه لا يترتب عليه شيء على الصحيح؛ لأن معنى الاستحلاف: أنه يطلب الحلف من غيره، فيقال: استحلف، بمعنى طلب منه يمينًا، طلب منه أن يحلف يمينًا بالله عز وجل، فالمتلقي لهذا الطلب لا يحلف بالله عز وجل؛ هو تلقَّى طلبًا من غيره بأن يحلف، لكن له أن يحلف أو لا يحلف، والنصيحة هنا ألا يحلف، فالظن بأن هذه الجملة هي في ذاتها يمين غير صحيح، لا تعدو أن تكون طلبًا للحلف من الغير. نعم، يقال: استحلف القاضيُ الخصمَ، أي طلب منه يمينًا، لكن مع ذلك لا ينبغي؛ ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224]، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أرشد إلى التقليل من الحلف قدر الإمكان، قال: «من كان منكم حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت». وأقرب ما يكون فيما يتعلق بالمعنى الذي يدور عند كثير من الناس حينما يتداولون مثل هذه العبارات، هو روايات أخرى تدور حول السؤال بالله عز وجل؛ فنجد رواية من طريق ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سأل بالله فأعطوه، ومن استعاذ بالله فأعيذوه، ومن دعاكم فأجيبوه»؛ هنا قال: من سألكم بالله فأعطوه. ويقرب من هذا أيضًا رواية من طريق ابن عباس، هذا أصح ما في الباب مما هو أقرب إلى المعنى الذي يستعمله الناس بعد بيان ضرورة تجنب مثل هذه الصيغ وهذه الأساليب. لكن هذه الأحاديث ينبغي أن تُفهم فقهًا صحيحًا؛ ذلك أننا إذا نظرنا إلى الأدلة الشرعية سنجد أن أموال المسلم معصومة: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعِرضه»، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسٍ منه». ولذلك فإن الروايات المتقدمة، سواء منها ما ورد في الحديث الأول الوارد في الأمر بإعطاء من سأل بالله، أو الحديث الثاني الذي فيه قدر من الإغلاظ والتوبيخ على من سئل بالله ثم لم يُعطِ، أنه من شرار الناس، فإنها لا بد من توجيهها. والتوجيه الأول: أن يُحمَل النهي على الكراهة، والأمر على الاستحباب، فلا يُحمَل الأمر على الوجوب، ولا يُحمَل النهي على الحرمة. وهذا توجيه حسن؛ لأن تلك الأدلة معارضة بما ثبت في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حرمة أموال المسلم إلا بطيب نفسٍ منه وبمحض رضا منه. وهناك توجيه آخر وهو حسن أيضًا، وهو أن يُفرَّق بين ما يُسأل فيه السائل؛ فإن كان يسأل مطالبًا بحقٍّ له، كان يطالب بحقٍّ من الزكاة وهو من المستحقين للزكاة، أو أن يسأل دفعَ ظالمٍ عنه والمسؤول له قدرة على دفع الظالم، أو أنه يطالب بأداء دينٍ له على الآخر؛ فهذه الأحوال هي التي تُحمَل على الوجوب، ويُحمَل الإغلاظ على الكراهة الشديدة أو على الحرمة؛ فإن كان له حق من الزكاة أُعطي منها، وإن كان يمكن أن يُدفع عنه ظلم أُعين على ذلك ونُصر، وإن كان له دين أُدِّي إليه. وهو لا يختلف عن التوجيه الأول، وإنما يستثني بعض صورٍ ما لوحِظ فيها أن يكون له حقٌّ فيما يُسأل به، لا في مطلق الأحوال. ومن توجيه هذه الأدلة أيضًا: قراءة الرواية الثانية؛ فإن بعض الرواة يقرؤها في قوله عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بشر الناس؟ الذي يسأل بالله ولا يُعطي»، أم قرأها: الذي يُسأل بالله تعالى ولا يعطي، أي يجمع بين –كما يقولون– القبيحتين: فهو يسأل بالله تعالى، لكنه إذا سئل هو فإنه لا يعطي. وبعضهم يقول: الذي يُسأل بالله ولا يُعطَى؛ فيُكرِّر مع مذلة السؤال، ومع استشهاده باسم الله تبارك وتعالى، ويؤول الحال إلى عدم إعطائه، إلا أنه يتخذ ذلك عادة مستهينًا باسم الله تبارك وتعالى. إذًا، من أجل هذه الوجوه كلها فإن هذه الروايات الدالة على ما تقدم: «من سأل بالله فأعطوه»، أو: «شر الناس الذي يسأل بالله ولا يعطي» أو «ثم لا يعطي»، فإنها غاية ما فيها أنها تُحمَل في عموم الأحوال على استحباب الإعطاء وكراهة المنع، لا تُحمَل على الوجوب الشرعي، ولا تُحمَل على الحرمة الشرعية، ويكون ما ورد في رواية الإغلاظ على سبيل التنفير والإغلاظ على من كان قادرًا، إلا فيما كان له فيه حقٌّ، فإنها يمكن أن يُرتقى بها إلى ظاهر ما تدل عليه. لكن لا يترتب عليها مع ذلك ما يترتب على الأيمان من لزوم الكفارة في حالة الحنث، إذ لا حنث هنا؛ وإنما هو يسأل بالله تبارك وتعالى. فالأليق بالمسؤول أن يعظم اسم الله عز وجل، وأن يجيب –استحبابًا– طلب من سأله بالله تبارك وتعالى. وفي المقابل تجد أن أهل العلم –وهنا أختم– أيضًا أغلظوا، قالوا: لا ينبغي أن يُسأل بالله عز وجل إلا لما هو عظيم، كأن يُسأل الجنة، أو أن يُسأل أعالي الجنان؛ أما أن يُمتهن اسم الله عز وجل في مسألة منفعةٍ زهيدة، فهذا فيه ما نهى عنه الشرع من جعل اسم الله تعالى عُرضة، ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. وفي كل الأحوال فإن هذه الرسائل –ونعود الآن إلى موضوع الاستحلاف للتذكير فقط– لا ينبغي تداول هذه الرسائل، العشرات والمئات منها، ويأتي مرسلها ويقول: نستحلفكم بالله أن تنشروها؛ هذا فيه استهانة بالله عز وجل وباسمه جل وعلا، وفيه استهانة بحقوق المتلقي أيضًا، ومع أنه لا يترتب عليه شيء على المتلقي، لكن يُخشى من الحرج والإثم على المُرسِل المستعمِل بكثرةٍ لهذه العبارة؛ إذ المقصود منها –كما تبيَّن– أنه يطلب من غيره، يحلِّف غيره، يطلب منهم اليمين أن يصنعوا ذلك، وهم لا يترتب عليهم شيء في الحقيقة. ومن هذا أيضًا: أن يطلب أن يستحلفه في أن يقرأ المقالة كاملة؛ ليحصل على أجر قراءتها...
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢٠‏/٥‏/٢٠٢٠👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - 26 #رمضان 1441 هـ HD

ما لا يعد من اليمين

✦ فتاوى مشابهة

الاستثناء في اليمين

4 👁

ما حكم الاستثناء في اليمين، وماذا يترتب عليه إن حنث صاحب اليمين؟

👤ماجد بن محمد الكندي
١‏/٣‏/٢٠٢٦

الحلف بحق القرآن

7 👁

ما حكم الحلف بقول: وبحق القرآن؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٢٦‏/١‏/٢٠٢٤

إبرار من استحلفك بالله

2 👁

من أرسل رسالة يقسم فيها بالله على المتلقي أن يفتحها أو يساعده، هل يجب على المتلقي أن يبر هذا القسم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٧‏/٣‏/٢٠١٩

يمين منع النزول من السيارة

4 👁

رجل أقسم بالله على آخر ألا ينزل من سيارته للسلام لكنه نزل، فهل تعتبر يمينه منعقدة وتلزمه الكفارة؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
١٢‏/٣‏/٢٠٢٤

حكم ألفاظ الحلف الشائعة

3 👁

ما حكم الحلف بألفاظ دارجة مثل: نعم أعتبرها حلفة، وبرقبتك، وراس أبوي، وراس أمي، وغيرها؛ وهل تعد أيماناً شرعاً؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٧‏/٥‏/٢٠١٣

إضمار ما مع الحلف بالله

4 👁

ما حكم إضافة ما مع والله العظيم بأن يقول في قلبه ما ثم ينطق بلسانه والله العظيم تجنباً للمشاكل أو الوقوع في الحرام؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٢٢‏/١٢‏/٢٠٢٣