⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإنه مما لا يخفى على أحد أن الله تبارك وتعالى قد افترض الحج على المستطيع من عباده، وقد وردت فرضيته في كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهو واجب باتفاق الأمة الإسلامية على كل من استطاع إليه سبيلا. ومن فضل الله تبارك وتعالى أنه لم يوجبه إلا على المستطيع كما قلت، وأنه لم يوجبه سبحانه إلا مرة واحدة في العمر، فلا يجب على الإنسان أن يحج إلا مرة واحدة في عمره، إلا إذا أوجبه على نفسه بنذر أو نحوه.
وأما ما روي عن بعضهم من أنه يجب على كل أحد استطاع سبيلا إلى الوصول إلى الحج كل خمس سنوات، فهو قول باطل إن صحت نسبته إلى قائله، وإن كنت أشك في ذلك، وأن كلامه ذلك يمكن أن يحمل على غير ذلك، وإن نسبه من نسبه إليه بعض أهل العلم. فإذاً الحج واجب متحتم على من توافرت فيه شروط الوجوب، وذهبت طائفة كبيرة من أهل العلم إلى أنه يجب على الفور، فمن توافرت فيه الشروط فإنه يجب عليه أن يذهب فورًا إلى الحج وليس له أن يؤجل من سنة إلى سنة كما يفعله كثير من الناس، فلا بد من أن يؤدي هذه الفريضة على الفور، وهذا القول هو القول الظاهر، وذلك لأن الحج فريضة متحتمة على المسلم كما بينت، وقولي "على المسلم" بمعنى أنها لا تصح إلا منه، وإلا فإنها واجبة على الكافر بمعنى أنه يؤخذ عليها يوم القيامة كما يؤاخذ على سائر الفروع وإن كانت لا تصح منه.
فمن وجد الاستطاعة لا بد أن يذهب فورًا، وليس له أن يؤخر كما يفعله كثير من الناس، يؤخرون من سنة إلى سنة، وكثير منهم لا يؤدون الحج بعد ذلك، وإنما يوصون به، وقد يتهاون أيضًا الذي عليه أن ينفذ الوصية فيؤخر من سنة إلى سنة بدعوى أن ذلك لا يجب على الفور، وليس الأمر كذلك. فإذا كان الحج واجبًا، وكان الإنسان لا يدري متى يأتيه الموت، فما من لحظة من لحظات حياته إلا ويمكن أن يفاجئه فيها الموت، فكيف يمكن أن يُرخَّص له في التأخير، فيقال له: الحج واجب متحتم عليك ولا يجوز لك أن تتركه بحال، ولكنه يمكن أن تؤخر من سنة إلى سنة، ومع ذلك أنت لا تعرف متى يمكن أن يأتيك الموت؟ فما من لحظة كما قلت إلا ويمكن أن يموت الإنسان، فهذا من التناقض بمكان كما هو واضح لا يخفى. فمن وجد الاستطاعة إذًا لا بد من أن يبادر إلى الحج، من وجد استطاعة عليه بالفور أن يعجل إليه، هذا هو المذهب الظاهر الذي تقتضيه الأدلة، وأما ما استدل به من قال بخلاف ذلك من أدلة أخرى فلا دلالة فيها على المطلوب.
وقضية الوصية في الواقع لا تنوب عن... ليس للإنسان أن يتكل عليها، فذلك لمن لم يستطع أن يصل إلى ذلك بأن كان يملك المال، ولكنه فقير أو ما شابه ذلك، فهذا هو الذي يمكن أن ينيب غيره. أما أن يقال بأنه يوصي ويتكل على هذه الوصية فهذا مما لا ينبغي أن يُصار إليه. نعم، من لم يحج وأوصى فلا بد من إنفاذ وصيته.
الذي خرج من بلده إلى الحج ولم يؤخر فريضة الحج فمات، فلا شيء عليه فوق ذلك؛ لأنه لم يؤخر فريضة الحج بعد أن وجبت عليه الفريضة، خرج من بيته سواء أحرم أو لم يُحرم، وسواء أدى شيئًا من المناسك بعد الإحرام أم لم يؤدِّ منها شيئًا، فهو لم يؤخر الفريضة، ولا شيء عليه بمشيئة الله تبارك وتعالى.
وأما إذا كان قد تهاون، فهذا الذي يقال بأنه تُكمل عنه تلك الفريضة، فإذا أدى ووقف بعرفة مثلا، ذهبت طائفة كبيرة من أهل العلم إلى أنه يطوف عنه بعض أقاربه ويسعى عنه ويأتي ببقية المناسك التي لم يأت بها، فهو قد أدى الركن الأعظم الذي هو الوقوف بعرفة، وبعد ذلك تُؤدى عنه تلك الأركان المتبقية، وتلك أيضًا الواجبات والسنن التي لم يأت بها.
أما إذا كان لم يقف بعرفة، فهو لم يأت بالركن الأعظم، لم يأت بركن الحج الأعظم الذي هو الوقوف بعرفة، فبناء على مذهب القائلين بأن من لم يأت بالحج ولو لم يوصِ به يُحج عنه من ماله، فإذا هذا الشخص يُحج عنه مرة أخرى. أما على رأي من لا يقول بذلك... فهو لم يوصِ، أما إذا كان قد أوصى فإنها الحجة لا بد من أن تُنفذ عنه.
وبعض العلماء يقول بأنه إذا أتى بشيء، إذا وقف بعرفة فلا تُكمل عنه تلك الحجة، بل يعتبر قد أدى ما عليه ولا شيء عليه، وذلك لما ثبت من أن رجلًا وقف بعرفة، ثم بعد ذلك مات في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه عليه وسلم أمر أحدًا بأن يكمل عنه بقية مناسك الحج.
وأنا قلت بأن هذا الشخص إذا كان لم يتهاون فالأمر فيه واضح، فلا يحتاج أن يُكمل عنه أحد، لأنه لم يفرط في شيء من مناسك الحج، وجبت عليه فورًا وخرج، وجبت عليه الحجة وخرج فورًا، وأدى ما استطاع على تأديته، ولا يُكلَّف بعد ذلك فوق ذلك. أما إذا كان قد تهاون فلا ينبغي أن تُترك بقية المناسك التي لم يأت بها بعد وقوفه بعرفة، فهذا حسن، أما الجزم في ذلك بشيء فهو متوقف على معرفة الدليل الواضح، ولكن من المعروف بأن هذا الشخص لم يأت بالحج، ومن المعروف بأن الطواف ركن من أركان الحج، وبما أنه لم يأتِ به وقد تأخر، فلا ينبغي التهاون بترك هذا الركن، وهكذا بالنسبة إلى السعي، سواء قلنا إنه ركن كما هو مذهب طائفة كبيرة من أهل العلم، أو هو واجب أو سنة كما ذهب إلى كل من هذين القولين طائفة من أهل العلم.
والله تبارك وتعالى أعلم.