⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ليس للإنسان من صلاته إلا ما عقل، وكيف هذا المصلي يغفل عن صلاته وهو مقبل على ربِّه؟ إن الله سبحانه وتعالى فرض الصلاة لتكون صلةً بين العباد وبينه، وكيف تكون هذه الصلة مع غفلتهم عنها؟ كيف تكون هذه الصلة مع أن هذا الواقف بين يدي الله تبارك وتعالى ينسى نفسه أنه واقف بين يدي الله، ويشتغل بأمور دنياه، ويلهو بما هو شاغله من أمر دنياه حتى لا يفكر في تكبيرةٍ، ولا يفكر في تسبيحةٍ، ولا يفكر في تلاوته، ولا يفكر في ذكره، ولا يفكر في أي شيء يصدر منه؟
الصلاة لا تؤثر في قلب الإنسان إلا عندما يكون الإنسان خاشعاً، ولذلك نرى أن القرآن الكريم ناط الفلاح بالخشوع في الصلاة عندما قال سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]، لا ريب أن كل كلمة من الكلمات التي يقولها المصلي في صلاته تسكب شعوراً في نفس الإنسان عندما يستشعر معناها بحيث يكون معناها إلى ذهنه أسبق من لفظها إلى لسانه، في هذه الحالة يتفاعل الإنسان مع هذه الصلاة تفاعلاً تاماً، وتكون ذات أثرٍ في نفسه، وتكون ذات أثرٍ في سلوكه، وتكون ذات أثرٍ في معاملته لغيره.
إن الله سبحانه وتعالى شرع في الصلاة من الألفاظ ما يجعل الإنسان يحس بهذه الوقفة التي يقفها بين يدي الله، فعندما يكبر تكبيرة الإحرام لا ريب أنه يستشعر أن الكبرياء لله، فإن كان هو من أهل الوجاهة والشأن والرفعة في هذه الدنيا لأي سبب من الأسباب تطامن وتواضع، ولم يستعلِ على أحد بما أوتيه من مظاهر هذه الحياة، وإن كان بالعكس فكذلك، أي يشعر بأنه ولو كان الآخرون يفوقونه بمظاهر هذه الحياة الدنيا فإن له سبيلاً أن يتصل بالله سبحانه من خلال عبادته الربَّ التي هي مظهر العبودية، والتي هي ضريبة العبودية، فمن خلال هذه العبادة ومن خلال هذا الاتصال فيما بينه وبين ربه يستشعر أن قدره يرتفع، وأنه لا يفضله غيره من الناس إلا بقدر الاقتراب من الله تعالى بالتقوى وحسن العمل.
كذلك عندما يأتي بأي تلاوة وبأي ذكرٍ في الصلاة فإن ذلك مما يحيي ضميره، ويقوي شعور صلته بالله سبحانه وتعالى، ويجعله يتواضع لله ولا يستعلي على عباد الله، ويجعله يؤدي واجبه في الحياة وهو يستشعر مسؤوليته بين يدي الله تبارك وتعالى، لذلك كانت الصلاة بمثابة النهر الذي يطهر ظاهر البدن؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أرأيتم لو أن على باب أحدكم نهراً جارياً، أيمرُّ ينغمس فيه كلَّ يومٍ وليلةٍ خمس مرات، أيبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس». وهذا مثلٌ أراده صلى الله عليه وسلم للتقريب إلى الأفهام، لتقريب الحقيقة إلى الأفهام، وإلا فأمر الصلاة أكبر من ذلك؛ الصلاة تنقي الروح، والنهر ينقي البدن، والصلاة تُطهِّر سريرة الإنسان، والنهر يطهر وينقي ظاهر بدنه، فشتان بين الأمرين، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بضرب المثل تصوير أثر الصلاة في حياة الإنسان، كيف أن هذه الصلاة تطهر هذه النفس البشرية من الأخلاق المذمومة ومن قبائح الأعمال ومن قبائح الخصال.
فيجب على الإنسان ألا ينسى مثوله بين يدي الله تعالى، ما قيمة هذه الصلاة التي لم يشعر بشيء فيها، التي لم يشعر بالمثول؟ وأي متعة لصلاةٍ يصليها الإنسان وهو لا يشعر بالخشوع بين يدي الله تعالى؟ كما يُقال عن أحدٍ من الناس: إنه كان يصلي مع المصلين، وفي يوم من الأيام ترددوا هل الصلاة تامة أو أنها غير تامة؟ فقال لهم: يبدو أنها غير تامة، قالوا: ولِمَ ذلك؟ قال: لأنني عادةً أفكر في عملي، وفي تجارتي، إلى أن أفرغ من الصلاة وقد أنهيت حساباتي، واليوم لم أنهِ حساباتي! أي صلاة هذه التي يصليها الإنسان على هذا النحو؟ على الإنسان أن يتقي الله، وأن يؤدي الصلاة على النحو الذي يرضي الله تبارك وتعالى.