⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهِّمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الصراط الأقوم إنك أنت العزيز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد.
فالجواب هو أن مدلول لفظ هذه الجملة القرآنية التي وردت في موضعين من كتاب الله عز وجل – أي جملة ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ – لا يقوم مقامه أن يُستبدل بكلمة «الذكر» «العلم»، وذلك لوجوه:
أولًا: لأن الذكر المقصود هنا إنما هو وحي الله تبارك وتعالى، فلا يُراد أيُّ علم كان، وإنما يُراد من ذلك العلماء بوحي الله عز وجل الذي أنزله على أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام. ولذلك تجد تعبيرات المفسرين: يُعبِّرون أحيانًا بأهل الوحي – أي العلماء بالوحي – وأحيانًا أهل الكتب السماوية، وأحيانًا يقولون الشرائع، أي العلماء بالشرائع التي أنزلها الله تبارك وتعالى، وهي معانٍ تجتمع لتلتقي فيما تدل عليه هذه الألفاظ من معاني الوحي الذي أكرم الله عز وجل به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام، من كتب أنزلها وشرائع ارتضاها لهم، ومن هَدْي قويم أمرهم بتبليغه للناس الذين أُرسلوا فيهم. هذا هو الوجه الأول.
وأما الوجه الثاني: فإن المقصود هو نفي أن يكون من يُقصَد هؤلاء من أهل الذكر إنما يُقصَدون لآرائهم الشخصية، فالمقصود هو أن يُسألوا عمّا يتعلق بالذكر بالمعاني المتقدمة، فليس المقصود أن يكونوا أهل علم في وجوه غير الوجوه التي يدل عليها السياق القرآني، ولا أن يُبتغى منهم آراؤهم الشخصية، وآراؤهم التي يُعبِّرون بها عن رؤاهم وعن أفكارهم وعن ما عندهم من نتائج توصلوا إليها، وإنما أن يُسألوا عن معاني الوحي وشرع الله تبارك وتعالى وكتبه التي أنزلها.
وهنا – كما يفهم الجميع – العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وما قُعِّد من هذه الآية الكريمة، أو من هاتين الآيتين الكريمتين، من قاعدة اللجوء إلى أهل العلم المختصين إنما هو بالمعنى لا باللفظ، وبالقياس لا بحقيقة ما أُنزلت ودلت عليه هاتان الآيتان الكريمتان، فهذا مما ينبغي أن يُتنبه إليه.
والمعنى الآخر هو نفي الأساطير والأوهام والخرافات؛ فهذه ليست من الذكر، وإن كانت عند بعض الناس في هذه الأرض هي «علم»، ولذلك يقولون: علم الأساطير، وعلم الخرافات، وعلم الشعوذة، وعلم السحر. فهذا يُنفَى ببيان أن المقصود أن يُؤمُّوا إلى أهل الذكر الراسخين في العلم.
كذلك هنا معنى لطيف، وهو أن كلمة «الذكر» تدل في القرآن الكريم على ما لا يقل عن ستة عشر وجهًا، وكلها مقصودة صالحة في هذين السياقين. نَسرد هذه الوجوه – عدَّها أول من عدها مقاتل بن سليمان في «الوجوه والنظائر»، ومقاتل توفي سنة 150 هجرية مبكرًا، ثم نقلها كذلك هارون بن موسى أيضًا في «الوجوه والنظائر» وهو متوفى في 170، ثم نقلها كذلك صاحب «التصاريف» يحيى بن سلام – ويذكر أنه توفي 200 وسبعًا للهجرة تقريبًا – يعني نحن نتحدث عن الطبقة العُليا المتقدمة من أوائل المفسرين لكتاب الله عز وجل الذين دوَّنوا تفسيرًا لكتاب الله عز وجل، لا سيما فيما يتعلق بالوجوه والنظائر وبيان المشكل.
هؤلاء ذكروا أن من معاني الذكر: الوحي، ومنه قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وقيل: الكتب بمعنى الوحي ومنه القرآن، وهذه الآية تشهد لذلك. وقيل بأنه يحمل معنى التذكير: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾، ومعنى العِظة: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِهِ﴾ أي عظهم به. وأن الذكر يحمل معنى ما يُتلى ويُكرر؛ فالذكر يُتلى ويُكرر، وهذا أيضًا من المعاني المقصودة في الآية الكريمة.
ومنه العمل؛ العمل يأتي بمعنى الذكر، ومنه الصلاة؛ فالصلاة ورد في كتاب الله عز وجل – قال في سورة الجمعة في صلاة مخصوصة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ – فسمى الخطبة والصلاة ذكرًا لله تبارك وتعالى.
ويأتي أيضًا بمعنى – إذن هذه الآن تقريبًا عشرة معانٍ: قلنا الوحي، والكتب، والعظة، والتذكير، وما يُتلى ويُكرر، والعمل، والصلوات ومنه الصلوات المخصوصة أو الصلاة مطلقًا – هذه بعض أو أغلب المعاني التي يدور حولها معنى «الذكر» في الاستعمال القرآني.
هل تفي كلمة «العلم» – مع اتساع معاني العلم أيضًا في الاستعمال القرآني وفي اللغة – بهذه المعاني؟ لا تفي، لا تفي، لا تفي لو استُبدل بكلمة «الذكر» «العلم»، وإن كان المفسرون يُعبِّرون أن المقصود هم أهل العلم لكنهم يقصدون هذا العلم؛ فكل هذه المعاني حاضرة: أن يكونوا من الأئمة العدول الذين يَذْكرون ويُذَكِّرون، الذين يَتْلون ويُكررون ويُجدِّدون، الذين يتصلون بوحي الله تبارك وتعالى ويُعبِّرون عن أحكام الله عز وجل وشريعته مما أوحاه في كتابه، في كتبه، وأولاها والمهيمن عليها كتاب الله عز وجل الخاتم: القرآن الكريم، والذين يعملون بما أتاهم الله عز وجل وفتح عليهم من هذا الذكر.
ومن المعاني: الحفظ؛ فمن معاني الذكر الحفظ، فهم استُحفِظوا أيضًا هذا الذكر. فهذه كلها لا يقوم مقامها «العلم».
هل توجد هذه الوجوه في مصدر واحد؟ لا، لا توجد في مصدر واحد، بل توجد مفرقة في كتب التفسير، توجد مبثوثة يعبرون عنها، وإن كان الأكثر – كما تبادر إلى ذهن السائل – أنهم يعبرون بـ«العلم» في سياق التفهيم والتأويل فقط، لا في سياق أن هذه الكلمة يمكن أن يقوم مقامها – أي كلمة «الذكر» – كلمة أخرى تفي بمعانيها وتحقق دلالاتها ومضامينها.
ولذلك أيضًا لا يتناسب السياق لو قيل: «أهل العلم»؛ وقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فـ«فاسألوا أهل العلم إن كنتم لا تعلمون» لو كانت الآية كذلك فسيورث ذلك تكرارًا وسآمة وبُعدًا عن البلاغة يُنزَّه عنه كلام الله عز وجل. لكن هذا الجانب اللفظي ليس هو الباعث، وإنما الوجوه المتقدمة في المعاني والدلالات التي تقدم ذكرها، فهذا هو المقصود.
والله تعالى أعلم.
يُذكر بعض المفسرين أن المقصود بهم أهل الكتاب على اعتبار السياق؛ تقدَّم أن ذلك هو خصوص السبب، لكنه لا عِبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ؛ أن المقصود: الكتب كما أنزلها الله تبارك وتعالى. لكن إن أُريد التقييد – وهذا ما ذهب إليه بعض المفسرين – أن هذا الشأن الذي أُمروا فيه باللجوء إلى لو أُريد التقييد، وهذا يُذكر في سياق الجدل للاحتجاج على من قيَّد أن المقصود هم أهل الكتاب؛ فالسياق الذي وردت فيه هو في الموضعين: قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا﴾ – والفاء للتعقيب – فالمقصود: اسألوهم عن هذا الشأن: أن المرسلين جميعًا كانوا رجالًا.
ولا أحد يقول بأن معنى الآية ينحصر في هذا، وإلا فلفظها – بحسب الصناعة اللغوية – ينحصر في هذا المعنى، فإذا أرادوا تقييد ذلك بأهل الكتاب فقط، وأن المعنى – كما تقدم – أن المعنى ظاهر، ولا أن ساغ اللجوء إلى أهل الكتاب؛ الكتب التي لم تُحرَّف، العلماء، ومنهم من قيَّد ذلك – كما يُروى عن ابن عباس ونُقل عن قتادة – ورُوي عن ابن عباس: الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام، ولكن مع هذا فإن السياق نفسه إنما هو في هذا الشأن الذي يقرره القرآن الكريم في الآيتين في الموضعين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾، فالسؤال عن هذا الشأن، عن خصوص هذا الشأن.
ولا قائل بأن معنى الآية ينحصر في هذا المعنى حتى لا يُعترض بأنها إنما نزلت في خصوص أهل الكتاب، وأن دلالتها لا تشمل غيرهم، هذا غير صحيح، ولم يقل به أحد من أهل العلم.
إذاً أهل الكتاب في تلك الفترة كانوا مصدرًا من مصادر المعرفة، ولكن – كما قلت – مُقيَّدون بأنهم المسلمون، أو الذين آمنوا بالنبي، الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وبعضهم ذكر أيضًا لطيفة، قال: لأن هذا مما أجمعوا عليه؛ حتى مع تحريفهم فقد أجمعوا أن الرسل – اختلفوا في الأنبياء هل كان فيهم نساء أو لا – أما الرسل فقد أجمعوا على أنهم كانوا رجالًا، ومعلوم أن هذه الملل التي حُرِّفت معلوم أن نظرتها إلى النساء نظرة تنقُّص، فهذا لا يُسوِّغ معه أن يكون سؤالهم في كل شأن، وإنما السؤال هو في شأن مخصوص، مما هم مجمعون عليه ولا يستطيعون إنكاره.
وكذلك يُقاس ما ورد في كتاب الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي في هذا الشأن؛ لأنهم لا يُنكرونه حتى مع تحريفهم ومع إعراضهم وعنادهم، لكنهم لا يُنكرونه؛ لأنهم لو أنكروه لعادوا على ما يعتقدونه – ولو مُحرَّفًا – بالنقض والبطلان.
هذا ما خُتم به الجواب أيضًا في الإحالة إلى أهل الكتاب في البرهنة على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه: أن سؤالهم إنما يكون فيما هم مجمعون عليه لا يستطيعون له دفعًا ولا إنكارًا؛ بمعنى أن الكتب – إلى الآن – المُحرَّفة هذه فيها – حتى مع تحريفها – فإن ما وردت فيه الإشارة في كتاب الله عز وجل أن يُسأل أهل الكتاب عنه، فإن ذلك مما لم يُحرَّف ولا يستطيعون له تحريفًا؛ فهذا معنى لطيف ينبغي أن يُتنبه له؛ لأن بعض الناس يُثيرون مثل هذه الشبهات فينساق الناس في الرد والدفاع، والصحيح أنهم إنما سُئلوا في أمور مخصوصة؛ تلك الأمور المخصوصة بقيت، وهي باقية إلى الآن، يعني الحجة فيها قائمة؛ لأنهم مع تحريفهم وتبديلهم إلا أنهم لا يُنكرون تلك الحقائق، لا يُنكرون تلك المواضع التي جاء التوجيه فيها بالتثبت منهم أو بسؤالهم.
والله تعالى أعلم.