⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: في معنى الشجرة الملعونة في القرآن المذكورة في هذه الآية من سورة الإسراء أقوال للمفسرين، أعدلها وأظهرها دليلا أنها هي ذات شجرة الزقوم المذكورة في كتاب الله عز وجل.
فالله تبارك وتعالى ذكرها في سورة الصافات حينما قال: ﴿ذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: 62-65]، وهذه الآية من سورة الصافات تقرِّب كثيرا المعنى الوارد في آية الإسراء في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60]؛ لأن هذا العطف يعني: "والشجرة الملعونة في القرآن" أي: وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس، شأنها شأن الرؤيا التي أريناك.
وآية الصافات تقول: ﴿ذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾، ثم عرَّفها: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾.
وهناك أيضا في قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: 43-46] يؤكد هذا المعنى؛ هذه السور كلها تشترك في أنها سور مكيّة: سورة الإسراء مكية، وسورة الصافات مكية، وكذلك سورة الدخان؛ ففائدة معرفة أنها سور مكية: الرد على بعض الأقوال الواردة في تفسير شجرة الزقوم.
فهناك من قال بأن شجرة الزقوم هم اليهود، والحقيقة أن هذا القول موجود في الأثر، موجود عند قدامى المفسرين؛ لأن سورة الإسراء تتحدث عن بني إسرائيل، وتتحدث عن كيدهم وعن تاريخهم وعن ما يحصل لهم، ونُظر إلى أن أغلب اللعن في كتاب الله عز وجل ورد في سياق لعن بني إسرائيل أو اليهود، ورد في البقرة، وفي آل عمران، وفي غيرها من السور؛ لكن ذكر بني إسرائيل وذكر اليهود ورد كثيرا في السور المدنية، لا في السور المكية، وفي حمل المعنى على أن المقصود اليهود تكلُّف؛ يعني واضح أن فيه تكلُّفا.
لو لم يكن – يعني – هذه المعاني أيضا وردت في كتاب الله عز وجل، لكان من اللائق أن نبحث؛ لأن من حجج هؤلاء: القول بأن الشجر لا يُوصَف بأنه ملعون، وهذه خَلْق من خلق الله تبارك وتعالى؛ فإن كان قد خلقها في النار فكيف يقال بأنها ملعونة، هي من خلق الله تبارك وتعالى؟ ولذلك دفعهم هذا إلى النظر في معنى آخر؛ لكن هذا المعنى الذي وصلوا إليه بعيد؛ لأن السياق القرآني كما تقدم: أولا السورة مكية، ليس فيها السياق هذا، المعاني الوارد فيها الطرد من رحمة الله تعالى للكفار المعاندين من بني إسرائيل ورد في السور المدنية.
ثانيا: حينما ننظر في العطف كما تقدم: أي: "وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس"، فناسب هذا أن – يعني – لأن فتنة بني إسرائيل كانت فتنة محدودة، وإن كان المسلمون اليوم يعانون ما يعانون ممن ينتسبون إلى اليهود، لكنهم في التاريخ الإسلامي من بعد الفتوحات الإسلامية ما وُجدت مثل هذه إلا مكائد هنا وهناك، لكن الغلبة والنصرة إنما كانت لهذا الدين.
وأيضا ماذا نصنع بالآيات الأخرى الواردة في كتاب الله عز وجل في الصافات وفي الدخان، وهي صريحة في أن هذه شجرة، وقد فُتن بها الناس، فُتن بها المشركون؛ لأن أبا جهل وطائفة من المشركين كانوا يهزؤون بمثل هذا؛ يعني يقولون: شجرة في النار، والنار تأكل الشجر، ويقولون: طعام في النار، وكانوا يهزؤون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه الكرام، حتى باستعمال كلمة "الزقوم"؛ يقولون: "تزقَّمتُ" حينما يتندّرون ويسخرون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
فحملوا ما ورد في سورة الإسراء على ما ورد في المواضع الأخرى التي ورد فيها ذكر الشجرة كفيل بإيضاح المعنى.
طبعا هناك أقوال أخرى أيضا، هذه الأقوال – من باب سردها – هناك من قال بأن هذه الشجرة الملعونة هم بنو أمية، لكن حُمِل هذا على أنه من بعض متعصبي الموالين العباسيين، من دسائسهم، وذكروا فيه بعض أقوالهم ورواياتهم التي يستندون إليها.
لكن المعنى الأقرب الأسد هو ما تقدم؛ لمناسبته لما ورد في كتاب الله عز وجل في الصافات وفي الدخان.
والله تعالى أعلم.