⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هنا جملة مسائل:
المسألة الأولى ما يتعلق بهذه المرويات، والصحيح أنها لا تخلو من مقال، بل إنها ليست مرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالأثر الأول مروي عن السيدة أسماء رضوان الله تعالى عليها، والأثر الثاني مروي عن أبي هريرة وقيل عن أبي ذر، ولكنهما لا يثبتان على الصحيح، فلا يخلوان من مقال، ونص على هذا طائفة من المحدثين، مع أن من يكتب في فضائل الأعمال يستشهد بهما، فقد أوردهما الإمام الغزالي في الإحياء، وإن كان الحافظ العراقي تعقبه في الرواية الثانية وبين أن الرواية ضعيفة.
لكن حكم الإبراد بالطعام الساخن ثابت، فهناك جملة من الأدلة المقبولة، منها ما هو صحيح ومنها ما هو حسن مما يحتج به، يدل على النهي عن تناول الطعام وهو ساخن، وأنه ينبغي أن ينتظر به حتى يبرد، وهذا النهي حمله الأكثر على الكراهة، فإذا الحكم الشرعي الذي تدل عليه الروايات المتقدمة حكم صحيح، لكنه ثابت من غير تلك الروايتين، ثابت من أدلة أخرى واردة في الصحاح والسنن والمسانيد في أبواب كثيرة، حتى إن عددا من المصنفين يعنون لهذه الروايات بباب استحباب الإبراد بالطعام الساخن، وكما قلت يستندون في ذلك إلى أحاديث مرفوعة صحيحة أو حسنة مروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
المسألة الثانية، المسألة الثالثة ما يتعلق بالنفخ في الطعام، فالنفخ في الطعام ثبت النهي عنه، وحمل جمهور أهل العلم النهي عن النفخ في الطعام والشراب على الكراهة، لا أذكر أن أحدا منهم قال بالحرمة، وإنما اختلفوا: هل هذا النهي معلل، هل له علة مفهومة؟ فمنهم من قال: إن هذا النهي إنما يتجه إلى ما يمكن أن يعلق بالطعام أو الشراب من البصاق أو من النفس الكريم، فإذا دفعه إلى غيره فإن ذلك يُستقذر، ومنهم من قال بأن العلة في ذلك أنه إن كان ذلك لنفسه فلا حرج عليه، لكن رُدَّ بأن النهي لا يتعلق بحال دون حال، فالنهي ورد عاما، النهي عن النفخ في الطعام والشراب، وهو كما تقدم ثابت عنه عليه الصلاة والسلام، ويحمل على الكراهة، وقد تكون هذه إنما هي من باب الحكم أو بعض الأسباب لا كل الأسباب.
لكن هذا لا ينصرف إلى ما يُشرب ساخنا أو يُؤكل ساخنا بالقدر الذي يحتمله البدن، وإنما النهي يتجه إلى النهي عن النفخ، لكن أن يتناول ساخنا كما ضُرب، وبعض المشروبات الساخنة لا حرج في ذلك كالقهوة والشاي وبعض ما يُشرب ساخنا، لا حرج في ذلك بالقدر الذي يطيقه الإنسان، لكنه يُنهى عن النفخ فيه، فهذا من حسن الخلق ومن الكمالات التي أرشد إليها هذا الدين، وفيه من الحكم والأسباب ما لا يخفى، فينبغي أن يُجتنب.
والله تعالى أعلم.
بناء على العلة التي تتحدث عن انتقال شيء من البصاقة إلى الإناء، هل معنى ذلك أنه يمكن أن يفعل ذلك لنفسه؟ لا، هذا لا يصح عن شراح الحديث، لكنه رُدَّ عليهم بأن النهي ليس خاصا بحال دون حال، ولذلك هؤلاء فرعوا: قالوا إن كان يقصد أن يكون ذلك لنفسه ثم جاء أحد فليس له أن يدفعه إليه، ليس له أن يدفع له ذلك الطعام أو الشراب إلا أن يبيّن له، وإلا كان غاشا له، فقد يقع في محظور من جراء هذا الفعل.
ولذلك نظر بعضهم إلى أن هذا الفعل في ذاته مُستقذر، وهذا الدين يدعو إلى الأخلاق وإلى المروءة وإلى ما فيه طهارة وكمال، فمنشأ الكراهة عند من شاءوها هو ما يتعلق بالمروءة وكمال الأخلاق، لا ما يتعلق بالاستقذار وإن كان منها، لكن الصحيح أن النهي لا يقتصر على حال دون حال، فلا ينبغي للمسلم أن ينفخ في طعامه ولا في شرابه، ولا في طعام غيره ولا في شرابه، كأن يصنع ذلك لطفل على سبيل المثال، هذا أيضا مما يذكره الفقهاء من صور الكراهة عن مثل هذا الفعل، فهو مكروه وينبغي أن يُجتنب.
والله تعالى أعلم.
ذُكرت بعض الأبحاث، لكنني تعمدت عدم ذكرها لأنني لم أتحقق منها.