⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن الحدث الأليم الذي وقع بغزة هو مما يؤلم كل مسلم، بل مما يؤلم كل إنسان يحس بمشاعر الإنسانية، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على بشاعة وغدر وقساوة الكيان الصهيوني الذي حارب هؤلاء الذين هم أشبه بالعزّل هذه الحرب التي لا وازن فيها، والتي لم تكن متكافئة من أي ناحية من النواحي، إنما كان ذلك ظلماً صارخاً على هذه الفئة القليلة.
والمسلمون بطبيعة الحال عليهم تجاه ذلك أن يشعروا بأنهم مسؤولون أمام الله؛ لأن المسلم مسؤول عن المسلم، فإن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ترى المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»، والنبي عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: «المسلم أخو المسلم، لا يقتله ولا يخذله ولا يظلمه ولا يحقره ولا يسلِّمه»، فلو ترك المسلم أخاه المسلم بينه وبين الشر، وهو قادر على قِياه من الشر، فلا ريب أن ذلك من باب التسليم له، كأنما يسلّمه إلى العدو ويمكن منه العدو، والمسلم ليس من شأنه ذلك، فإن المسلم يحرص على أن يصون أخاه المسلم؛ يصون حياته ويصون ماله ويصون أرضه، ويصون كل ما يتصل به من أي شيء يكدر عليه صفوه، فضلاً عن أن يكون يزعجه أو يخلق أمنه.
فمن هنا كانت الضرورة إلى تلاحم الأمة المسلمة، ولا ريب أن العدو المتربص لم يصل إلى أغراضه إلا من خلال تخاذل هذه الأمة، وعدم ترابطها، وعدم تلاحمها، وعدم قيامها بالواجب الذي فرضه الله تبارك وتعالى عليها، ولو أن هذه الأمة أخذت بحَجْزة هذا الدين، وحرصت على مراعاة الحقوق التي فرضها الله تبارك وتعالى عليها تجاه أفراد هذه الأمة وتجاه جميع الإنسانية، لكان الواقع خلاف ذلك، ولحُسب لها العدو أيَّ حساب، ولكن بما أن الأمة المسلمة تخاذلت هذا التخاذل العجيب وقع ما وقع.
أما وقد وقع ذلك فإن عليها الآن أن تراجع حساباتها، وأن ترص صفها، وأن تجمع كلمتها، وأن تُلملِم شتاتها، وأن تحرص على الألفة والمودة والانسجام والتلاحم؛ لتكون كما أمرها الله سبحانه وتعالى أمة عزيزة، ليكون المؤمنون أعزة على الكافرين أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين كما أمرهم الله سبحانه وتعالى.
ولا ريب أن ما حصل من الأصداء الطيبة عند كثير من الناس في هذا العالم إن دل على شيء فإنما يدل على أن العالم لا يزال بخير، وأن هنالك مشاعر إنسانية تجاه الإنسان كيفما كان دينه، وهذا ما يأمرنا به الله سبحانه وتعالى؛ فإن الله عز وجل يفرض على الناس أن يصونوا حُرُماتهم وأن يصونوا دماءهم، يقول تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ۖ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].
لذلك يجب على المسلمين أن يسعوا إلى صون حياة أفرادهم، وصون حياة شعوبهم، وصون حياة مجتمعاتهم، وصون حياة الإنسانية التي تُسأل عنها هذه الأمة؛ باعتبار أن الله سبحانه وتعالى كلّفها تكاليف تجاه الإنسانية فعليها أن تراعي هذه التكاليف.
ثم إن الأمة الآن، وقد مرّت هذه الأحداث العظيمة، هي بحاجة إلى أن تعالج مشكلات إخوانهم هنالك في غزة، وأن يضمدوا جراحهم بما آتاهم الله تعالى من خير وفضل، فعليهم أن يواسوا بمالهم؛ لتعود غزة كما كانت من قبل، ولِيُعمَّر ما دُمِّر، ولتتناول بيوت الله تعالى هناك، والمؤسسات الإنسانية من مستشفيات وغيرها، والمؤسسات الثقافية كالمدارس وغيرها، وبيوت الناس حظّاً من التعمير بعد ما أصيبت بما أصيبت به من التدمير، حتى تعود الحياة بمشيئة الله كما هي.
ولا ريب أن الأمة المسلمة عليها أن تُرِيَ كل من يتربص بها الدوائر أنها أمة واحدة، وأن أي عدوان على أي أحد منها، فضلاً عن أن يكون عدواناً على الشعب، إنما هو عدوان على جميع الأمة، وأن تهبَّ أمةً لنصرة المظلومين أينما كانوا؛ فإن ذلك حق واجب عليهم.
والله تعالى أعلم.