⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
صوم إفراد يوم الجمعة بالصيام، الصحيح أنه منهيٌّ عنه، وأكثر أهل العلم أن هذا النهي إنما هو نهيُ كراهة؛ لحديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يَصُومنَّ أحدُكم يومَ الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو بعده»؛ وليس «يومين» كما ذكر السائل، كأني سمعت أنه يقول: يومين، لا؛ إنما قال: «إلا أن يصوم يوما قبله أو بعده».
ووُرِد أيضا النهي – أيضا من طريق أبي هريرة عند مسلم وغيره – أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يَخصُصْ أحدُكم ليلةَ الجمعة بقيام، ولا يخص يومَ الجمعة بصيام، إلا أن يكون صوما يصومه من قبل».
هذا يبين – وسنرجع إلى الأقوال في المسألة لكن لنُخرِج الصورة المستثناة من هذا النهي – إذا كان صوما معتادا عليه؛ كان يصوم يوما ويفطر يوما – صوم داوود عليه السلام – أو أن يصادف يوما من الأيام التي يُندب صيامُها؛ كيوم عاشوراء، أو يوم التاسع من ذي الحجة، يوم عرفة؛ فهذه الأيام وإن صادفت الجمعة فلا نهي عن صيامها، لا كراهة في صيامها ولا منع؛ لأن المقصود ليس تخصيص يوم الجمعة بصيام، وإنما المقصود هو تحرِّي ما دلت السنة على استحباب صومه بقطع النظر عن مصادفته – عن اتفاقه – مع كونه يوم جمعة أو لا، حتى تكون الصورة واضحة.
وكذلك يُلحَق بهذا ما إذا كان صومَ نذر؛ كان نذر أحدٌ أن يصوم يوم مقدم ولده، فصادف مقدمه ليلة الجمعة، فإنه يصوم يوم الجمعة وفاء بنذره لا إفرادا للجمعة بالصيام.
وأما الأقوال في صوم الجمعة، تقدَّم أن فيها نهيا: هل هذا النهي للتحريم؟ هذا قول بعض أهل العلم، ونُسب إلى بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعض التابعين، لكن عليه الأقل من العلماء، والأكثر على أن إفراد صوم يوم الجمعة مكروه كراهة تنزيه، وأن هذا النهي إنما هو للكراهة؛ بدليل الخلاف في المسألة منذ عهد السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم.
فبهذا يتبين قولان: التحريم، والكراهة التنزيهية، ومن أهل العلم من رأى الاستحباب، وأنه لا كراهة فيه، بل هو يُستحب صيامُه؛ لكن الصحيح الراجح هو كراهة صيام إفراد يوم الجمعة بالصيام، وإنما يُستثنى – يعني الحديث نص على ذلك – أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده.
وفي حديث جويرية بنت الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام وجدها صائمة يوم جمعة، فسألها: «هل صمتِ أمس؟» قالت: لا، قال: «هل تصومين غدا؟» قالت: لا، قال: «فأفطري إذن».
هذه جملة الأدلة التي ترد في هذه المسألة، وخلاصة القول الراجح فيها: أن إفراد يوم الجمعة بالصيام مكروه كراهة التنزيه، واختلفوا في بيان العلة أو الحكمة من ذلك، ولا حاجة لنا؛ لثبوت النهي – كما تقدم – عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن هذا النهي إنما هو عن الإفراد، أما أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده فلا إشكال في ذلك، أو أن يصادف يوما هو من الأيام التي يُسن صيامها فلا إشكال في ذلك، أو أن يكون صيام نذر فلا إشكال أيضا.
والله تعالى أعلم.