⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
قضية الشورى هي من الأهمية بمكان، ذلك لأن الإنسان قليل بنفسه كثير بأخيه، فإذا كان منفرداً في رأيه وتفكيره وتدبيره فإنه يكون رأيه محدوداً، ويكون تفكيره محدوداً، وبصيرته محدودة، وأما إذا ضم إلى رأيه رأي غيره فإن رأيه يمتد بذلك، وأثره يكون أيضاً ممتداً، وتفكيره يكون أعمق مما لو اقتصر على تفكيره بنفسه.
ولذلك كان من الضرورة أن يستشير الناس بعضهم بعضاً، وأن يأخذ بعضهم بمشورة بعض، وهذا أمر شرعه الله سبحانه وتعالى في القرآن، لأن حياة الناس مبنية على الاجتماع والتعاون، فالله تعالى عندما وصف عباده المؤمنين قال فيما وصفهم به: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، هذا مع قرن الشورى بالصلاة، وذلك لأهمية هذه الشورى.
وعندما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمشورة أصحابه ونزل عن رأيه إلى رأيهم في غزوة أحد، ثم بعد ذلك وقعت مخالفة من أصحابه له صلى الله عليه وسلم، وأدى ذلك إلى أن يصاب المسلمون بنكسة كانت ذات أثر بالغ عليهم في ذلك الوقت، نزل من القرآن ما يؤكد مبدأ الشورى، لئلا يظن الناس أن الشورى كانت هي سبب الفشل وسبب هذه النكسة، ولئلا يُهمِل الناس الشورى، فالله سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، يؤكد على الشورى في هذا الموقف لئلا يقع إهمال فيها، وهذا لأن الخطأ إنما يُعالَج بالصواب، فالخطأ لا يعني إهمال المبدأ الذي وقع فيه الخطأ، بل المبدأ يظل باقياً، ويعمل الناس بمقتضى ذلك المبدأ، وإنما عليهم أن يصوِّبوا الخطأ، وأن يتفادوا في المستقبل الوقوع فيه مرة أخرى، لأن العاقل يعتبر بماضيه لمستقبله.
أما بالنسبة إلى هذه المظاهر، مظهر الإنسان، مما ينبغي للإنسان ألا يُهمِله؛ الإنسان إن ظهر أنيقاً جميلاً كان ذلك خيراً له، فإن الله تعالى جميل يحب الجمال، جمال الله سبحانه وتعالى من خلال ما يفعله بعباده، ومن خلال ما يوجده في هذا النظام، يتجلى جماله في جمال هذا الكون الذي خلقه سبحانه وتعالى، وأفعاله سبحانه وتعالى كلها كمال، وصفاته صفات كمال، تعالى الله عن كل نقص علواً كبيراً.
ولكن مع هذا الإنسان إذا بالغ في الشيء وأعطاه من جهده ومن عنايته أكثر مما يستحق كان ذلك سبباً للانقلاب إلى الضد، كما قيل: كل شيء خرج عن حده انقلب إلى ضده، فالعناية البالغة بهذه المظاهر قد تجعل الإنسان ينسى الأسس لأجل هذه المظاهر، ينسى الحقائق الباطنة لأجل هذه المظاهر الظاهرة، وهذا مما لا ينبغي، فالإنسان إنما يعتني بالأصل، يعتني بالجوهر، ويُعنى بالمظهر بقدر ما يجمله لا بقدر ما يفوِّت الجوهر، يظل الجوهر هو الذي يحافظ عليه، فهو عليه أن يحافظ على الجوهر وأن يحافظ على الأصل.
ثم من ناحية أخرى أيضاً الإنسان مسؤول عن ماله، يُسأل عنه سؤالين: من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ فليس له أن يُبذِّر المال حتى في الخير، نحن نرى كيف أن الله سبحانه وتعالى يوجه عباده في الخير أن يكونوا في إنفاقهم متوسطين بين طرفي التبذير والتقتير، لا يكونون مع المقتِّرين، ولا يكونون مع المبذِّرين؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾، ويبيِّن وجوب التزام الوسط في الإنفاق إذ يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا، إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ، إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، فالإنسان يؤمر بالقصد بين طرفي التقتير والتبذير، أو بين طرفي التفريط والإفراط.
ونحن ندعوهم بقدر المستطاع إلى حسن الظن، هذا مع أن غلبة الطبيعة شيء، ولكن المؤمن بما آتاه الله سبحانه وتعالى من قوة في يقينه، وعزيمة في إيمانه، يستطيع أن يتغلب على كثير مما تفرزه طبيعته من هذه الجوانب السلبية، فنحن ندعوهم إلى تغليب جانب العقل على جانب العاطفة، وتغليب جانب حسن الظن على جانب سوء الظن.