⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
على المسلم أن يعظم الله تبارك وتعالى، ومن تعظيم الله جل جلاله أن يعظم في قلبه حدوده التي حدها له، فالغيبة هي من الكبائر كما ذكر السائل، وإذا عظم العبد ربه جل وعلا كان أبعد ما يكون عن إغضابه سبحانه وتعالى.
فالله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم محذِّرا من هذه الآفة الخطيرة، يقول: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]. صورة هذا الذي يخوض في عرض أخيه بما يكره بصورة مَن يأكل من لحم أخيه ميتا، وهي صورة مُقزِّزة تنفر منها الطباع السليمة، هذا التشبيه أريد منه بيان خطورة هذه الآفة العظيمة، وأريد منه التنفير من هذه الكبيرة التي يكرهها الله تبارك وتعالى وحرَّمها في كتابه، وحرَّمها على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام.
وعرَّف رسولنا عليه الصلاة والسلام الغيبة بقوله: «أن تذكر أخاك بما يكره»، فلما سُئل: فإن كان ما قلته فيه؟ قال: «إن كان الذي قلته فيه فهي الغيبة، فإن لم يكن فيه فقد بهتَّه»؛ أي ذلك بهتان.
وتوعَّد الله تبارك وتعالى هذا المغتاب بوعيد شديد بالعذاب الشديد في الآخرة، ففي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، كثير من المفسرين يرى أن الهمز واللمز هي من صنوف الغيبة، هي من أنواع الغيبة؛ فالهمز بالقول، واللمز بالفعل، أو بالعكس، أو أن كلاهما يكون قولا وفعلا، فمَن يكون همَّازا لمَّازا سواء كان بلسانه أو بإشاره، أو بتقاسيم وجهه وتعابيره، فإنه داخل في الغيبة.
ولذلك على المسلم أن يطهر لسانه من الغيبة، وأن يحذر من الوقوع فيها، ولا سبيل له إلى ذلك إلا بأن يعظم الله تبارك وتعالى، وأن يعظم حدوده في قلبه، وأن يغرس في نفسه تقوى الله عز وجل، وأن يستبدل بخوضه في أعراض الناس ذكرَ الله تبارك وتعالى في كل آن وحين.
وأما النميمة فإن شأنها لا يقل عنها؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠-١١]. وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث عليه الصلاة والسلام أنه مرَّ بقبرين فقال: «إنهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبير – أي في ظنهما – أما أحدهما فكان يمشي بين الناس بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من البول».
فبيَّن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا الذي يمشي بين الناس بالنميمة أنه مستحق للعذاب، وهذا وعيد شديد يذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبين فيه حال هذا الذي كان يمشي بالنميمة بين الناس وهو في قبره.
ومن أجل ذلك – والنميمة هي أن يسعى أحد بين الناس بما ينفِّرهم، فيأتي إلى هذا بقول ثم يأتي إلى الآخر بقول ينفِّره من الأول فيبعث فيهم الشحناء والفُرقة والعداوات – هذه هي النميمة، ولذلك لا يليق بمسلم أن يكون نمَّاما. ورد أيضا في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام قال: «لا يدخل الجنة نمَّام»، وفي رواية: «قتات»، وهما بمعنى.
فهذا وعيد شديد، ولذلك فإن العاقل عليه أن يحذر أن يقع في سخط الله تبارك وتعالى، وأن يجلب إلى نفسه مثل هذه الكبائر التي تورثه الهلكة – والعياذ بالله – عليه أن يطهر قلبه من هذه الآفة، وأن ينزه لسانه عن الخوض في أعراض الناس، ولا يكون ذلك إلا أن يعمِّر قلبه بالطاعات وبذكر الله عز وجل والخشية منه وطاعته وتقواه.
والله تعالى أعلم.