⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، ورد في سورة مريم قول الله تعالى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ، مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ، وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾، واختلف المفسِّرون في هارون المذكور في هذه الآية الكريمة إلى قولين شهيرين:
أما القول الأول: فإنه أخٌ حقيقيٌّ لمريم عليها السلام؛ فقد كان لها أخٌ اسمه هارون، وكان رجلًا صالحًا تقيًّا معروفًا في بني إسرائيل، معروفًا في قومه؛ ولذلك فإنهم وبَّخوها لكونها «أخت هارون»، أو زادوا في تقريعها وتوبيخها بتذكيرها أنها أخت رجل صالح، سُمِّي على اسم نبيٍّ يعرفونه ويؤمنون به وهو هارون عليه السلام.
ويشفع لهذا الرأي رواية وردت من طريق المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثه إلى أهل نجران، فاحتجُّوا عليه بهذه الآية، وقالوا: كيف وعيسى بين موسى وعيسى قرون؟ فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له: «إنما كانوا يسمُّون أنفسهم على أسماء أنبيائهم»، أو «بأسماء أنبيائهم»، فدلَّ على أن لها أخًا حقيقيًّا اسمه هارون، وقد سُمِّي على اسم نبي الله هارون أخي موسى عليه السلام.
أما القول الآخر: فهو أنها من قوم هارون النبي؛ والعرب تقول –وهو مألوف–: يا أختَ بني فلان، أو يا أخت فلان، إذا كانت من بني فلان، أي إذا كانت من قومهم أو من عشيرتهم، وهي من نسل ومن ذرية هارون عليه السلام؛ ولذلك ذكَّروا مريم بهذه النسبة التي تصلها، وتصل أخاها هارون بهارون النبي عليه الصلاة والسلام.
وهنا ملحظ –ولا أزعم أني رأيته، لكن مما انقدح في ذهني وأنا أستعرض القول الأول–: أن بني إسرائيل يعدُّون الفرد منهم إذا كانت أمُّه منهم، فإنه يعدُّونه منهم، وهذا المبدأ سارٍ إلى اليوم؛ فإن الديانة اليهودية يعدُّ أحبارها اليهوديَّ بحسب أمِّه لا بحسب أبيه، ولهذا فإنهم حينما ذكَروا مريم عليها السلام بأخيها هارون إنما يذكِّرونها بعلوِّ وبأصَالة نسبتها في بني إسرائيل، وأنها منهم، وأن هذا الفعل الذي جاءت به لا يتناسب مع مكانتها ومنزلتها؛ لأنها من صميم قومهم ومن صميم بيت النبوَّة فيهم.
وهذا المعنى –لا ريب أنه قريب– لأن السياق كان سياق معاتبة وتقريع وتوبيخ من قومها لها لما جاءتهم بعيسى عليه السلام تحمله.