⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا هذه الآيات القرآنية التي خوطب بها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فالأصل فيها أنها عامة، إلا ما دل دليل خاص على أنها خاصة به عليه الصلاة والسلام؛ فحينما نجد قوله جل وعلا: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ فهو لا ريب أمر مباشر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لكنه أيضًا أمر لأمته لأجل أن تذكِّر بعضها بالقرآن؛ فلا بد أن يقوم المؤمنون بتذكير بعضهم البعض بالقرآن بما يورثهم الخشية من الله سبحانه وتعالى والخوف منه.
وحينما نجد أن الله سبحانه وتعالى أيضًا يقول لنبيه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهذا أيضًا ليس بخطاب خاص بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
حينما نجد أنه صلى الله عليه وآله وسلم يخاطبه ربُّه بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: 46] فإن هذه الدعوة أيضًا لإقامة الحجة على المخالفين، على خصوم هذا الدين، لا تقتصر على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام.
والدليل الآخر أيضًا أن الله تعالى يقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]؛ فهذا دليل على أن من شأن المؤمنين الذين يرغبون ويطمحون في النجاة من الخسران أنهم يؤمنون بالله عز وجل حق الإيمان، ويعملون الصالحات، وأنهم يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر.
والله تعالى يقول: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104]، ويقول أيضًا: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181].
إذًا من شأن المؤمنين، لا من شأن أفراده فقط، بل من شأن مجتمعاتهم ومن شأن أمَّتهم، أنهم جميعًا يذكِّرون بعضهم البعض، ويبسطون المواعظ التي تصل العباد ببارئهم بخالقهم جل وعلا، والتي تحرر هذا العبد من الأهواء والشهوات، ببيان حقيقة هذه الحياة الدنيا، والتي تفهمهم أيضًا – حتى فيما يتصل بالأحكام الشرعية – أنها ليست مجرد نظريات، وليست مبادئ علمية يُراد منها أن تُملأ بها بطون المدونات والموسوعات والكتب والمصنفات، وإنما يُراد منها إصلاح هذه الحياة، وإصلاح هذه الحياة يبدأ من إصلاح هذا الإنسان.
ولهذا يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، ألا وهي القلب»، ويشير إلى صدره، وهو يقول: «ألا إن التقوى ها هنا». ويقول: «الدين النصيحة»، فقلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامَّتهم».
هذا هو شأن المسلمين، لا على أحوال أفراده فقط، وإنما في عموم جماعتهم ومجتمعهم وأوطانهم وأمَّتهم على السواء، ولا يقوم عَوَج مجتمعاتهم ولا تقوى شوكتهم ولا يصلون إلى مبتغاهم من العزة والنصر والتمكين إلا إذا أَعمَلوا هذا الجانب في واقع حياتهم.