⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
اما بعد فان هذا الدين رسالة سماوية ربانية من عند الله الخالق الحكيم المبدع، وهو جل وعلا حينما أنزل دينه هذا بما اشتمل عليه من تشريعات وأحكام ومن حكم فقد أودع الله عز وجل فيه أيضا مواعظ وعِبَرا ومذكِّرات لهذا الإنسان؛ لأن من صميم دعوة هذا الدين أن توقِظ في النفوس ضمائرَها، وأن تنعِش في هذه الأبدان قلوبَها، وأن تحيا هذه النفوس لتستجيب لنداء الله تبارك وتعالى بما يوافق الفطرة التي فطر الله عز وجل الناس عليها.
ولذلك فإن هذه المذكِّرات وهذه المواعظ بما تنقسم إليه من مرغِّبات ومُرهِبات هي في حقيقتها من صياغة نداء الله عز وجل لهذا الإنسان لكي تجعل منه عبدًا مطيعًا لله سبحانه وتعالى، ممتثلًا بأمره، مستجيبًا لندائه، وذلك يبدأ من حقيقة غرس الإيمان في هذه النفس؛ فإن العقيدة التي يعتقدها المؤمن لا بد أن يربط عليها قلبَه بنفي كل شبهة وشكٍّ وتردد، وكل ضعف فيما يتصل بمعتقده، فيما يتصل بإيمانه بالله تبارك وتعالى.
وهذا يعني أن أصل ما جاء به هذا الدين إنما هو لتزكية هذه النفوس؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16]. وحينما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا الوحي الخاتم فإنه قد أمره بقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45]، في دلالة بل في تصريح واضح بيِّن إلى أن هذا الإنسان المأمور بخطاب الله سبحانه وتعالى لا يمكن له أن يستجيب لهذا النداء الرباني إلا إذا تفاعلت نفسُه مع هذا الخطاب.
وهذا التفاعل كان ناشئًا عن الخشية من الله تبارك وتعالى، وعن الرغبة فيما عنده، وعن الخوف مما أعدَّه، فهذه المشاعر التي يحرِّرها هذا الدين في نفس هذا الإنسان هي التي نعبِّر عنها نحن اليوم بالمواعظ أو الروحانيات أو الجوانب الروحية، وهي لا ريب العامل الأهم فيما يتصل بصياغة هذا الإنسان وبنائه لكي يكون عبدًا صالحًا مصلحًا في هذه الحياة الدنيا، ساعيًا إلى الخير، مؤمنًا بالله تبارك وتعالى، بدليل ما تقدَّم من أدلة شرعية، وبدليل أن الله سبحانه وتعالى أكد على هذا المعنى في بيانه لدعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حينما قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2].
وكون دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم موصوفة بأنها تزكية للنفوس فإن هذا دليل واضح على أن هذا الدين لم يأتِ لأجل حشو الأدمغة بالمبادئ والنظريات، أو لأجل صياغة قوانين ودساتير في هذه الحياة لا علاقة لها بهذا الإنسان ولا بتفاعله مع حركة هذه الحياة، وإنما هو تشريع عملي تهذيبي، هو تشريع رباني لا ريب ولا مِرْية في ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى أراد لدينه أن يكون نظامَ حياةٍ، لكنه عملي، أي إنه خُوطِب به هذا الإنسان في هذه الحياة.
فلذلك تجد أن هذا الإنسان يُصنع صناعةً أخرى، صناعة مبنية على الإيمان بالله تبارك وتعالى، وعلى الإيمان باليوم الآخر، وعلى الخير والتقوى والصلاح والإصلاح في هذه الحياة، وعلى عمارتها بما يرضي الله سبحانه وتعالى، وعلى أن يبتغي المرء بها الدار الآخرة.
ثم إنه أيضًا تهذيبي، أي إنه تشريع رباني عملي تهذيبي، ومعنى تهذيبي: أنه جاء لتزكية هذه النفوس، جاء لإيقاظ الضمائر، ولإحياء مراقبات ومرغِّبات ومُرهِبات ومواعظ وجوانب تُشبِع حاجة هذا الإنسان وتلبِّي له رغبته الفطرية في إشباع ما يتصل بالجانب النفسي، ما يتصل بالجانب الروحي.
ولذلك فإن من الخطأ أن يُظَنَّ أن الدين مجردُ نظريات تُحشى بها الأدمغة، أو أنه مجرد مبادئ علمية نظرية تحتاج إليها الإنسانية، بل هو تذكير وذكرى، وهو موعظة، كما قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].