⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه الآيات ما هي – أو الأحكام التي تم التمثيل لها – ما هي إلا أمثلة، هي لم تكن على سبيل الحصر، وإلا فإننا نجد أنه ما من حكم من أحكام هذه الشريعة الغرَّاء إلا وهو يقترن بما يحفِّز هذه النفوس، وبما يُهيِّئها لتلقِّي أمر الله سبحانه وتعالى، وما يدعوها إلى الاستجابة، إلى أن تتفاعل مع هذه الأوامر، فلا تكون مجرد نظريات، وإنما تكون واقعًا، تكون مترجمة في واقع هذه الحياة، وتبنى على أساسها حياة هذا الإنسان فردًا ومجتمعًا وأمَّةً.
ومع ذلك فإننا نجد أن الله سبحانه وتعالى يأمر عباده، يأمر نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يذكِّر الناس: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]، ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَتَذْكِرَةً﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَتَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: 8]، بعدما بيَّن بعض الآيات المبثوثة في الكون قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾؛ هذه في ذاتها تدعو هذا الإنسان إلى أن يتلمَّس أيضًا ما يجدِّد به الإيمان، وما يقوِّي صلته بالله تبارك وتعالى، وما يحفزه إلى أن يكون ممتثلًا لأمر الله تبارك وتعالى.
وذلك من خلال نفس هذه الفرائض التي افترضها الله عز وجل عليه، ومن خلال النوافل التي حَضَّ عليها كتابُ الله عز وجل ودلَّت عليها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن خلال القرآن، والإكثار من ذكر الله عز وجل؛ لأن الله تعالى سماه كذلك، قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [ص: 87]، وقال: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: 52]، وقال – حتى حينما أمرنا بالاستمساك بكتاب الله عز وجل بأمره لنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يستمسك به – قال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 43-44].
لكن الإنسان ضعيف بنفسه قويٌّ بإخوانه، وهذا الدين جاء لبناء منظومة متكاملة، تكون فيها العلاقات بين الناس، تكون فيها العلاقات بين المؤمنين مبنية على الموالاة وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر؛ ولهذا كان مما يحتاج إليه الإنسان أن يُذكِّر أيضًا، وأن يسمع لمواعظ إخوانه في الله تبارك وتعالى، ويذكِّرونه بما يشتمل عليه هذا الدين من مُرغِّب ومُرهِبات، ومن محفِّزات تدفعه إلى عمل الصالحات وإلى الانقياد لأمر الله تبارك وتعالى.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]، وجاء بذلك أمرٌ صريح في كتاب الله عز وجل في قوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
إذًا لا بد للإنسان من أن يُذكَر وأن يتعظ حينما يُوعَظ، وأن يزدجر حينما يُنهَى، وأن ينعِش قلبَه بذكر الله سبحانه وتعالى بأنواع الذكر والضَّرَاعة والدعاء والتبتل وصنوف الخلوات مع الله سبحانه وتعالى؛ ليستجلب الروحانية التي تجدِّد في نفسه اليقين، وتبعثه إلى مزيد من العمل الصالح ومن الإقبال على الله تبارك وتعالى، وتخلِّصه من لأواء هذه الحياة وشدائدها ومصاعبها، وذلك لا يكون إلا بطمأنينة القلب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].