⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أولًا نقول لأخينا هذا: ألا ييأس من روح الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، فليَثِقْ بالله سبحانه وتعالى، والله عز وجل رحمن رحيم، وهو تواب غفور، وطلب من عباده الإنابة إليه، ووعدهم بقبول توبتهم، وعليه أن يستشعر هذه الرحمة.
لأن الله سبحانه وتعالى حينما وصف نفسه بها فقال: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، فصفة الرحمن تعني أنها حالة بكل ما خلقه الله سبحانه وتعالى، في كل لحظة وفي كل أوان، فالله عز وجل متصف بأبلغ صفات الرحمة.
عليه أن يوقظ في نفسه، في قلبه، اليقين بالله تبارك وتعالى، عليه أن يجاهد نفسه، وهنا لا بد له أولًا من أن ينظر في الأسباب التي دفعته إلى أن يصل إلى هذه المرحلة؛ فإذا كان السبب في ذلك قرناء سوء فعليه أن يتخلص من قرناء السوء، إذا كان مرجع ذلك قسوة القلب فعليه أن يكثر من ذكر الله تبارك وتعالى، وخير ذكرٍ لله عز وجل أن يتلو القرآن، وأن يعيش مع كتاب الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار، وأن يحيي ليله بكتاب الله عز وجل.
وإذا كان السبب في ذلك الانغماس في بعض المعاصي والآثام، فإن عليه أن يتخلى عنها، وأن يتركها، وأن يبتعد عنها، وأن يعاهد الله سبحانه وتعالى على عدم العود إليها، وأن يختار رفقة طيبة تعينه على ذلك.
وليحرص على أن يعتني بأمر الصلاة، فإن الصلاة عمود الدين، والصلاة نورٌ تبعث في نفس، تبعث في قلب هذا المؤمن اليقين، وتبعث فيه الهداية، وتصله بالله تبارك وتعالى، وتَجلب له الخير والبركة والرحمة من الله تبارك وتعالى.
إذًا عليه أن يطرق كل هذه الأبواب، وأن يتجنب سبل الغواية، وأن يوقظ قلبه، وليعلم أن كل سائرٍ على طريق الاستقامة والتقوى فإن نفسه لم تنقد له هكذا، وإنما جاهد نفسه، ثم هيأ الله سبحانه وتعالى له بعد ذلك الأسباب؛ يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، ولذلك فإن عليه أن يجاهد نفسه، ولا يتوقع أن يقود زمام نفسه هكذا بسهولة ويسر، بل عليه أن يجاهد نفسه، لأن الجنة حفت بالشهوات، وعليه أن يتخلص من هذه الشهوات.
والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، وما من مؤمنٍ بالله تبارك وتعالى، يؤمن بالله وباليوم الآخر، إلا وهناك بصيص إيمان في قلبه، فعليه أن يزيل الغِشَاوة عن قلبه، وإزالة الغشاوة تكون بالتوبة النصوح.
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾؛ فعليه أن يتوب لأجل أن يزيل هذه الحجب عن قلبه حتى يسري إليه النور، وليحافظ بعد ذلك –كما تقدم– على الصلاة، لأن الله سبحانه وتعالى قال في معرض حديثه عن النور: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
نعم، هذه بعض القواعد العامة والمبادئ التي يحتاج إليها، وليعلم أن مبعث الصلاح هو إيقاظ هذا القلب، لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن التقوى هاهنا»، وأشار إلى صدره ثلاثًا، ولقوله أيضًا عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله».
ويعني كلمة أخيرة: الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى والتوبة إليه لا تحتاج إلى طقوس، ولا تحتاج لا إلى شفعاء ولا إلى وسطاء، لأنه يطرق باب الرب الكريم، لا يطرق باب أحد من ملوك الدنيا ومن ذوي المسؤوليات والمناصب في هذه الحياة، فيحتاج إلى طرق رسمية، بل كل ما يحتاج إليه هو انكسار قلب، وهو ندم على ما قدم، ورغبة في الإقبال على الخير، وتوكيل أمره إلى الله سبحانه وتعالى.
وهو بذلك لا يرضي الناس، هو يرضي الله سبحانه وتعالى، وهو بذلك لا يمُن على أحد، بل الله عز وجل يمن عليه أن هداه للإيمان، وهو بذلك ينتصر على نفسه، فلن ينتصر عليه إمام المسجد الذي يدعوه إلى الهداية، ولا الواعظ الذي يذكره بآيات الله عز وجل، ولا المفتي الذي يبين له حقوقه، وإنما ينتصر على نفسه، هو نفسه ينتصر على نفسه.
ولذلك عليه أن يترك الأوهام، وأن يتخلى عن هذه الشهوات، وليعلم أنه يطرق باب مولى كريم قد فتح باب التوبة والغفران، وأنه سوف يجد بعد ذلك أنه إذا ما تقرب إلى الله سبحانه وتعالى، إذا ما أتاه مشيًا، فإن الله عز وجل برحمته ومغفرته يأتيه هَرْوَلَةً.
يستصحب إيمانه باليوم الآخر، والمنقلب الذي يؤول إليه قبل فوات الأوان، وقبل أن يقول: ولا تُسَاعَةَ مِنْ دَمٍ.
نسأل الله سبحانه وتعالى لنا وله حسن الختام، وأن يهدينا ربنا إلى التوبة النصوح، وأن يتقبل منا، وأن يتجاوز عن سيئاتنا.
آمين، آمين.