⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا: عليه أن يصبر، لأن المؤمن يُبتلى؛ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾.
وعليه بالصبر، لأن الصبر مفتاح الفرج، والله عز وجل بشَّر الصابرين فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
إذًا: مع الإيقان بأن الإنسان يُبتلى، وأن الله سبحانه وتعالى يمتحن عباده بالبلوى، والإنسان لا يعرف ما هو الخير له: هل الخير في أن يُصاب بالنِّعَم، وفي أن يكون في رغدٍ من العيش، وفي أن يتقلب في أكناف الآلاء وسعة رحمة الله تبارك وتعالى؟ أو أن يكون الخير له في أن يُبتلى بالشدائد والمصائب؟ كل هذا إنما يُحكم به، يُقلِّب الله سبحانه وتعالى العباد وفقه، وعلى المرء أن يعلم أن خِيرةَ الله عز وجل له خيرٌ من خِيَرته لنفسه.
لا ريب أن سعة رحمة الله عز وجل للعباد هي خيرٌ لهم، وأنهم يسعون قدر المستطاع إلى أن يستشعروا نعم الله عز وجل عليهم، ولذلك أمرهم الله تبارك وتعالى بالصبر، وأمرهم بالسعي إلى أن يتخلصوا مما يُصابون به من أنواع البلايا والرزايا، لكن لابد له من الصبر بعد هذا اليقين.
ثم إن كثيرًا من الناس –للأسف الشديد– لا يلتفت إلى توجيه قرآني أمرنا به ربنا جل وعلا حينما نُصاب بأنواع من البلايا والمصاعب، وهو ما نفهمه من قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾، فإن الله تبارك وتعالى قد أمرنا أن نستعين بالصلاة لأجل دفع هذه الرزايا والمصاعب التي نتعرض لها، علينا –مع الاستعانة بالصبر الجميل– أن نلجأ إلى الله سبحانه وتعالى بالاستعانة بالصلاة.
ثم دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن مما يدفع البلايا الصدقات، فإنها تقي البلاء، وتقي مصارع السوء، كما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم، فعلى المرء المبتلَى أن يكثر من الصدقات قدر استطاعته، لا يعني هذا أن يكلف نفسه ما لا يطيق، أو أنه يُعذر نفسه إن كان من غير أهل الجِدَة والغنى واليسار، بل ليتصدق قدر استطاعته، ولو على ولده، ولو على أهل بيته، وعلى رحمه وقرابته، وعلى سائر الناس، وعلى الفقراء والمساكين، ولو بكلمة طيبة، ولو بمواساة المحن والشدائد لغيره، إذًا عليه أن يتصدق، لأن الصدقة مجلبة لرحمة الله تبارك وتعالى، وتقي مصارع السوء، وتدفع البلاء.
ثم عليه أن يتوجه إلى الله تبارك وتعالى أيضًا بالضراعة والدعاء، لأن الأسباب كلها بيد مالك الملك، وهو جل وعلا قد وعد عباده الذين يتقونه بأن يفرج عنهم، وأن يدفع عنهم الضيق؛ يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾، ويقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾.
فعليه أن يتقي الله سبحانه وتعالى، وأن يتسبب في صلته بالله تبارك وتعالى بمزيد من العمل الصالح، ومن الطاعات يتقرب بها إليه، ومن التوبة النصوح، ومن التخلص من المعاصي والآثام، ومن أداء الحقوق إلى العباد؛ هذه كلها من الوسائل اللازمة للإنسان لأجل أن يتخلص، وأن يكون قادرًا على مواجهة مثل هذه الظروف التي تصيب الناس في واقع حياتهم، ثم يلتمس بعد ذلك العلاج.
نعم، يعني يدخل في ضمن أسباب التقوى أن يكثر من ذكر الله تبارك وتعالى، أن يتبتل إلى ربه جل وعلا بالأسماء الحسنى التي تناسب ما أصابه من بلاء؛ فالله عز وجل هو الشافي، وهو اللطيف بعباده، وهو القادر على أن يخرجهم مما هم فيه، وأن يغيِّر حالهم من حالٍ إلى حال.
ويَتَأَسَّ الناس في ذلك بالأسوة التي ضربها لنا ربنا جل وعلا؛ فهذا أيوب عليه السلام قد ابتلاه الله تبارك وتعالى بأنواع من الآفات والعاهات، حتى عافه الناس جميعًا، ولم يبقَ له إلا امرأته، بعدما أصيب في ولده، وأصيب في أهل بيته، ابتلاه الله عز وجل في بدنه، وعلى أصح الروايات فإن مرضه امتد إلى خمس عشرة سنة، وقيل إلى سبع عشرة سنة، لكنه لما لجأ إلى ربه قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فإن الله سبحانه وتعالى قد كشف ما به من ضر.
وحكى عن نوحٍ ربنا جل وعلا حينما ادلهمَّت أمامه الأحوال، وتأزَّمت الظروف، قال: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾.
فليطرق العبد باب ربه جل وعلا، ضارعًا إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا آناء الليل وأطراف النهار، ثم ليلتمس العلاج عند أهل الاختصاص بحسب نوع المرض الذي يكون فيه، نعم، وليثق بعد ذلك أن كل شيء بيد الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل لم يُنزِل داءً إلا وقد أنزل له دواءً، علمه من علمه، وجهله من جهله.
نسأل الله سبحانه وتعالى لأخينا المتصل ولسائر مرضى المسلمين الشفاء، شفاءً تامًّا لا يغادر سقمًا ولا عِلَّة.
آمين، آمين.