⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
السلام في النصوص الشرعية هو ما يفهمه الناس من استتباب الأمن، ومن السِّلم والأمان والطمأنينة والمودّة، ونفي الخوف وارتفاع الشقاق والنزاع، إلا أن القرآن العظيم يشير إلى أنواع من السلام أو أنواع من السِّلم أو السَّلْم –كما هي قراءات– في مواضع عدة من كتاب الله عز وجل.
فهناك سلام داخلي، سكون وطمأنينة تغشى قلب المؤمن بسبب صدق إيمانه وصِلته بالله تبارك وتعالى، وهذه يُعبَّر عنها غالبًا بطمأنينة القلب، كما في قوله عز وجل: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
ويَرِدُ السلام أيضًا في كتاب الله عز وجل لتصوير حالة الرفاهية ورغد العيش الذي ينعم به مجتمعٌ من المجتمعات، ضرب الله مثلًا: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾.
ويَرِد السلام في كتاب الله عز وجل بمعنى ما يُغدِقه الله عز وجل على عباده من ألطافٍ ونِعَمٍ وآلاء، كما في قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ • الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.
ويَرِد بمعنى الاستسلام، أي الانقياد لأمر الله عز وجل، كما في قوله سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
الحاصل أن هذه المعاني كلها هي ممّا ترد في كتاب الله عز وجل. لكن الذي ينبغي أن نقف عنده هو بعض النصوص القرآنية التي تتناول موضوع السلام، وفيها من اللطائف والنُّكَت ما ينبغي أن يقف عنده المسلم.
من ذلك أن الله تبارك وتعالى بيّن أن دعوة هذا الدِّين إنما جاءت لأجل هداية الناس إلى سُبُل السلام، حينما قال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ • يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16]، فأول ما ذَكَر ممّا يُحقّقه هذا الدين أنه يهدي إلى سُبُل السلام، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ • يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾، ثم بعد ذلك قال: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
فالتبشير بدعوة هذا الدين وأنها تُورِث السلام –أي سلام الأنفس والأمن على الممتلكات، والسلام المجتمعي، والأمانة العامة الشاملة للإنسان أيًّا كان هذا الإنسان– هو ممّا يُحفِّز النفوس إلى قبول هذا الدِّين، نعم، وجاءت تشريعاته لكي تُحقِّق هذا السلام واقعًا في حياة هذا الإنسان.
ولذلك وصف الله عز وجل –لا سيما وأن هذه الآية تُخاطِب أهل الكتاب– فهي تُخبرهم بما يَشتمل عليه هذا الدين الذي أُمِر محمد صلى الله عليه وسلم بدعوتهم إليه، وبتبشيرهم به، وإنذارهم من الانكفاء عنه.
كذا الحال في قوله سبحانه وتعالى مخاطبًا الذين استجابوا لهذه الدعوة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 208]، نعم، فإن هذا أصل عظيم من أصول هذا الدين وقاعدة كليّة، لو أن المسلمين أخذوا بها لجَنَّبَتْهُم الكثير من النزاعات والشقاق، وهو الولوج بأنفسهم في كل أبواب السِّلْم، نعم، بحسب ما أمرهم الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
ولكون الخطاب موجَّهًا للمؤمنين فهذا يُشي بأن العلّة فيما دُعوا إليه هي كونهم مؤمنين، نعم، فالإيمان هو سبب في دعوتهم إلى الولوج بأنفسهم في أبواب السِّلْم. ومعنى السِّلْم هنا: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ أي الدخول في كل شرائع السِّلْم، في كل شرائع السلام من حيث أصوله التي تعني –أو أساسها وأصلها– الاستسلام والانقياد لله عز وجل والإخلاص له جل وعلا، ثم ما يَنبني على ذلك من المسالمة والمودّة والوئام والوفاق، ونبذ أسباب الخصام والحرب والفتن عند المهتدين به، المستجيبين لنداء الإيمان.
فلذلك كانت قاعدة كلية؛ لأنها تأمر وتنهى: تأمر المؤمنين بالولوج والدخول في هذا الحصن، في كنف هذا الحصن المنيع، نعم، فمن كان منهم أكمل إيمانًا فإنه مأمور بالمداومة والثبات على هذا السلام الذي أورثه إيّاه إيمانه، ومن كان منهم دون ذلك فإنه مأمور بأن يأخذ بنفسه، أن يلج بنفسه إلى ما يُورثه هذا السِّلْم والسلام، نعم، فيكون سببًا لبسط الأمن ونشر السلام وتحقّق السِّلْم في واقع الحياة، نعم.