⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بل إن هذا الدين الحنيف قد وضع منهجًا ورسم خطوات عملية تُحقِّق للمسلمين السلام، وتمكّنهم من بسط السلام، نعم، بحيث إن هذا السِّلْم الذي يدعون إليه لا يقف عندهم، بل يكونون دعاة خير ورُسُل سلام في هذا العالم أجمع، نعم.
وأبرز ما يُحقِّق هذا السلام في منهج الإسلام هو العبادات التي يؤديها المسلم امتثالًا لأمر الله عز وجل بعد الإيمان؛ أمّا أمر الإيمان فقد تقدّم في الآيات السابقة، أمّا أمر العبادات فيمكن لنا أن ننتهز فرصة هذه الأيام الطيبة المباركة ونمثّل له بما ورد في شأن الصيام، نعم، أو بعض ما اختصّه الله عز وجل من مزايا في هذا الشهر المبارك الفضيل، فإن الله تعالى قد أودع فيه ليلة وصفها بأنها خيرٌ من ألف شهر، وهذه الليلة هي ممّا يحرص عليه المسلمون جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها لما يعلمونه من مزايا وفضائل فيها.
ولذلك فإننا حينما نتأمّل في الصفات والخصائص التي وصف الله عز وجل بها ليلة القدر نجد أمرًا واضحًا بيِّنًا يصل بين هذه العبادات وبين أمر السلام؛ فالله تعالى ذكر في سورة القدر جملةً من خصائص هذه الأمة، ومن خصائصها القرآن العظيم –إنزال القرآن–، ومن خصائصها الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة، ومن خصائصها أيضًا السلام، فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ • وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، فابتدأ بهذا السؤال الذي فيه تفخيم لشأن ليلة القدر بعدما بيّن امتنانه على عباده بإنزال القرآن العظيم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ • لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، نعم، فهذه هي الخصيصة الأولى لليلة القدر، وهي كونها خيرًا من ألف شهر، نعم.
ثم قال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾، نعم، فهذه خصيصة أخرى؛ فالملائكة في هذه الليلة يتنزّلون بأمر الله تعالى لتحقيق ما أودِع في هذه الليلة من مكارم وفضائل يسعى إليها المسلمون الصائمون المجتهدون القائمون، ويتطلّبون –ويُبسَط ما يحقّق لهؤلاء بأمر الله عز وجل ما يحقق للمسلمين هذه الغاية–، ثم قال جل وعلا: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
فقوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾، هاتان الكلمتان اشتملتا على جملة من المحسّنات والدلالات التي تبيّن لنا أهمية السلام ومنزلته في أمر العبادات، كخطوة من خطوات تحقيق السلام في أرض الواقع؛ فقد نكّر القرآن العظيم كلمة «سلام»، وفي التنكير تعظيم وتفخيم، نعم، ثم إنه استعمل المصدر، وفي استعمال المصدر «سلام» دليل على الاختصاص، على تعظيم الشأن بالاختصاص، نعم، أو على تعظيم الشأن، ثم قدّم المسند على المسند إليه، قدّم الخبر «سلام» على المبتدإ المسند إليه، وهو ضمير «هي»، نعم، قال: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾، وفي هذا التقديم أيضًا دليل على الاختصاص، وكأنه قال: ما هي إلا سلام، نعم.
وهذا الخبر عند بعض المفسّرين يُراد منه الإنشاء عند بعض المفسّرين، نعم، وكأن المقصود: اجعلوها سلامًا، فكان هذا الذي يصالح نفسه مع الله تبارك وتعالى في ليالي هذا الشهر الكريم المبارك بالتوبة الصادقة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى إنما يتّخذ الخطوة الأولى من خطوات سعيه إلى تحقيق السلام وبسطه ونشره، نعم.
فيبدأ بمسالمة نفسه بالتوبة النصوح والإنابة إلى الله عز وجل حينما يدعو ربّه في جوف الليل قائلًا: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني»، ثم بعد ذلك بتذكّره أنه يحيي هذه الليلة كما يحييها غيره من المسلمين، فهو فرد في جماعة، هذه الجماعة وهذا المجتمع لا بد أن يتحقّق فيه السلام، لا سيما عند من قال بأن المقصود الإنشاء، أي اجعلوها سلامًا، اجعلوها بينكم سلامًا بترك الخصومات واستئصال العداوات والمشاحنات فيما بينكم، وأخذ العزم على ترك كل أسباب الفرقة والنزاع، نعم.
هذا باب، أو هذا مثال على ما يمكن أن نستلهمه من الصيام. نجد مثل هذا في الزكاة، نجد مثله في الصيام، نجد مثله في الحج، أي نجد مثل هذا المعنى الظاهري الذي يحقّق السلام من خلال أداء العبادات والتقيّد بما افترض الله تبارك وتعالى.
إلا أن هذا المنهج لا يقف عند هذا الحد، هناك خطوات أخرى غير ما يتّصل بعبادة المؤمن وتديّنه؛ تبدأ –باختصار شديد– بتقديم المصالح العليا لهذه الأمة، فإن الدعوة إلى السلام لا تتحقّق إلا إذا آثَر أهل هذا الدين مصالحهم الكلية ومنافعهم العليا، نعم، وهذا نفهمه من قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]، فإن هذا الشعار تذوب معه الفروقات والاختلافات والنزاعات التي يمكن أن تكون بين المسلمين، نعم، وكل الذي يرفعونه في هذا السياق هو ممّا يتّفقون عليه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وهذا أيضًا ما نَلمَسُه فيما يتّصل بتقديم المصالح العليا؛ نلمسه أيضًا في قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، فإن الخطاب جاء بخطاب الإيمان، والذي دُعوا إليه هو أن يدخلوا في أبواب السِّلْم كافة، وحُذِّروا من اتباع خطوات الشيطان حينما قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، نعم.
خطوة أخرى تتمثّل في الدعوة إلى الاعتصام بما أمر الله عز وجل من الاعتصام به، بحبله المتين وبالعروة الوثقى؛ فإن أيضًا السياق الذي ورد فيه هذا الأمر سياق يدعو إلى النظر والتأمّل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، هذه كلها خطوات تتّصل بهذا الجانب، ثم قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 102-103].
كل المذكور هنا في هذه الآية حينما ننظر نجد أنه من الكليّات المتّفق عليها بين المؤمنين جميعًا، نعم، كل الناس، كل من انتسب إلى هذا الدين فإنه يُجمِع على أن هذه المبادئ المذكورة في هذه الآيات الكريمة هي من الأصول التي تقوم عليها عزّة المؤمنين، فيتحقّق لهم فعلًا الاعتصام بحبل الله المتين ونبذُ أسباب الشقاق والتنازع والخصومة، وبالتالي ما يحقّق لهم الألفة، فيدفعهم إلى بلوغ مرحلة السلام والسِّلْم.
كذا الحال بالنسبة لما يتّصل بكون تشريعات هذا الدين تتناول مشكلات هذا الإنسان، وتتناول واقعه؛ فإن من طبيعة البشر أن يختلفوا، وأن تتعدّد آراءهم وتتنوع توجهاتهم، ولذلك لم يمنع الله عز وجل الناس من هذا التنوع والتعدد، بل بيّن أنه من حكمته في خلقه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، لكنه حذّر من التنازع والشقاق المُفضي إلى الخصومة والحرب، نعم، ولذلك قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]، ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾؛ هذا النزاع يُفضي إلى الحروب وإلى الشقاق والخصومات، وبالتالي فإنه ينفي عن واقع المسلمين السِّلْم والسلام.
وفي ذات السياق أمرهم الله عز وجل بركيزة من ركائز بناء مجتمعاتهم، وهي إصلاح ذات البين؛ فاصلاح ذات البين هو أيضًا من مقوّمات هذا المنهج الذي رسمه القرآن العظيم للمسلمين حتى يتمكّنوا من تحقيق السلام وبسطه في هذه الأرض؛ فمتى ما نشب خلافٌ بينهم فيما بينهم أو مع غيرهم فإنهم مأمورون بالسعي إلى إصلاح ذات البين؛ فالله تعالى يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 1]، ويقول أيضًا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10].
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا أُخبركم بأفضل من درجة الصائم القائم؟ إصلاحُ ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين»، نعم.
فإذا هذه بعض الخطوات...