⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب رحمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد، فإن الذي تشيرون إليه مع قلته إلا أنه من عادات أهل الجاهلية التي جاء هذا الدين الحنيف لكي يجتث جذورها، ويعالج أصولها، ويبين أن الله سبحانه وتعالى يهب من يشاء من عباده ما يشاء من نعمه الولد.
واجتثاث هذا المعنى الجاهلي الذي كان سائدا قبل البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام إنما جاء في جملة من آيات الكتاب العزيز التي تبين فساد معتقد أهل الجاهلية باستيائه من ولادة البنات وتواريه عن الأنظار، ولذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: 58-59].
وفي هذه الآية نفسها دلالة على فضل ولادة البنات، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ﴾، مع أنهم في معتقدهم الذي جاء القرآن لمعالجته لا يعدون ذلك من البشارة، لكن الأمر في ذاته مستوجب للاستبشار، ولذلك سمى الله سبحانه وتعالى هذا النبأ الآتي إلى المولود له سماه بشارة، وقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ﴾، ثم حكى القرآن الكريم الحالة التي يكونون عليها مما يعيب فيهم.
وهذه المعالجة جاءت أيضا في كتاب الله عز وجل لكي تنفي مثل هذا الظن، ومثل هذا المعتقد، ولكي تربي في الآباء والأمهات أهمية الاعتراف بهذه النعمة لله سبحانه وتعالى، حينما قال سبحانه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: 49-50].
فالله سبحانه وتعالى قدم ذكر البنات في إشارة واضحة يرد بها المولى الكريم على أهل الجاهلية في استيائهم من التبشير بذَرْيَة البنات، فيأتي القرآن ويقَدِّم ذِكْر نعمة البنات على نعمة الذكور.
وفي تنكير البنات وتعريف الذكور دلالة أخرى، فإن الذكور عند المخاطبين هو معهود الولد الذي يسرون به، فهم يعرفون أن نعمة الولد تنصرف في الغالب إلى الذكور، ولذلك جاءت بصيغة التعريف لأنها المعهودة عندهم، لكن ﴿إِنَاثًا﴾: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ جاءت اسم جنس نكرة للدلالة على عموم نعمة البنات، وأنها حينما تحصل فهي موجبة لشكر الله تبارك وتعالى.
فاجتمع في هذه الآية ثلاث دلالات: دلالة تقديم الإناث، ثم دلالة التنكير، ثم دلالة معاني ألفاظ الآية الكريمة من بيان أن الله سبحانه وتعالى هو المتصرف في خلقه، وهو جل وعلا العليم الحكيم، فيهب من يشاء إناثا دون ذكور، ويهب من يشاء من عباده أيضا ذكورا دون إناث، أو يرزقهم ذكورا وإناثا، أو يعقم من يشاء من عباده، وله سبحانه وتعالى في كل ما خلق حكمة، وفي كل ما وهب حكمة.
يضاف إلى ذلك ما ورد في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بيان فضل تربية البنات ورعايتهن، وأن من أحسن إليهن وقام برعايتهن كن له سترا وحجابا من النار يوم القيامة.