⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
يبدا الاهتمام بالبنت منذ ولادتها، ونحن نجد هذا المعنى في كتاب الله عز وجل واضحا جليا، إلا أن كثيرا من المفسرين والفقهاء – للأسف الشديد – لا يتعرضون له، لأن السياق الذي ورد فيه هذا المعنى سياق يتحدث عن الرد على المشركين، وعادات أهل الجاهلية في نفس السياق الذي يبين الله سبحانه وتعالى فيه سوء معتقد أهل الجاهلية بما ينسبونه إلى الله تبارك وتعالى من كون الملائكة ينسبون إليه البنات وأنهن إناث، فيقول: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: 17]، ثم قال: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18].
هذه الآية في مفرداتها ما يدل على معنى تربوي بالغ الأهمية، وهو أن البنت ينبغي أن تُنشَّأ على ما يعزز فيها صفات الأنوثة، ولذلك استخدم القرآن أظهر صفات الأنوثة، فقال: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾، فتنشأ تعني مصاحبة هذا الأمر للوجود منذ بدايته إلى حد التلبس به، وكان ذلك ظرفا لهذه التنشئة؛ فتنشأ البنت على الحِلْية، هذا من ألزم صفاتها؛ تنشأ على ما يتناسب مع أنوثتها في الحِلْية، فيما تستخدمه من ذهب ومن جواهر، وما يستلزمه أيضا ذلك من ملابس تتناسب وطبيعة البنت، تتناسب وأنوثتها.
فلذلك وُجِّه هذا الوصف – مع أنه غير مقصود بالذات في هذه الآية الكريمة – إلا أنه معنى واضح: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، فدل هذا الجزء من الآية على أهمية أن يُولي الوالدان ابنتهما الرعاية اللازمة في تنشئتها على ما يعزز لديها خصال البنات، لكي تكون امرأة بعد ذلك بعيدة عما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تشبه النساء بالرجال، أو من تَرَجُّل المرأة، فهذا مما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أكثر من حديث، وبين أن فاعل ذلك مطرود من رحمة الله عز وجل.
فقد يكون الأولياء شركاء في هذا الوزر؛ لأنهم لم يولوا البنت الرعاية اللازمة في هذا الجانب، في هذا الملحظ النفسي التربوي العاطفي، العناية اللازمة.
ثم لا ريب أن هناك خصالا خلقية هي ألزم في حق البنت منها في حق الولد الذكر، كخلق الحياء. ونحن نعلم أن الحياء خلق محمود في هذا الدين، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعله من شعب الإيمان، كما في الحديث: «الإيمان بضع وستون – أو بضع وسبعون – شعبة، أعلاها كلمة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان»، وفي رواية: «الحياء خير كله، ولا يأتي إلا بخير».
فالحياء في حق المرأة ألزم وأدعى، فلا بد أن تُنشَّأ على ذلك. ولذلك راعى أيضا هذا الدين هذا الخلق؛ سواء كان خلقا فطريا زكَّته بعد ذلك التربية والتنشئة الصالحة، أو نتج من خلال التربية والتدريب والتعليم عليه ولو لم يكن نصيب الفرد منه نصيبا وافرا عند الولادة فطرة، إلا أنه يتحصل بالتربية والتنشئة الصالحة عليه.
فراعَت الشريعة هذا الجانب في إذن المرأة حينما تُخطب، فقال صلى الله عليه وسلم: «وإذنها صماتها»، فصمتها عُدَّ موافقة لها، ورُوعيت حالتها؛ أنها قد تستحي من أن تعبر عن موافقتها على من تقدم إليها خاطبا.
فإذا لا بد أن تُنشَّأ البنت على ذلك، لا بد أن يُغرس فيها هذا الخلق الأصيل، ثم كذلك الحال بالنسبة لخلق العفة، فإنه في حق المرأة أظهر وألزم؛ فلأن المرأة حِيطتها من الآداب يحفظ لها كرامتها وعفافها، ويصون لها منزلتها، فلا بد أن تُنشَّأ على ذلك.
نعم، هي تختلف في جملة من الأحكام الشرعية عن الرجال؛ تختلف فيما يتصل بسفرها لوحدها، فقد دلت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المرأة لا تسافر – ما يصدق عليه أنه سفر شرعا – إلا ومعها ذو محرم، إلا ومعها زوج أو ذو محرم، فهي تختلف بذلك عن الرجال، ليس لها أن تخالط الرجال، ثم ليس لها أن تُبدي زينتها.
فإذا هذه الخلال – مما يتصل بغرس معاني العفة والحصانة والعفاف – استُتبع بأحكام شرعية، هي لم تُترك فقط مجرد خِلال وآداب تُنشَّأ عليها نظريا البنت من قبل والديها، من قبل أبيها وأمها، وإنما زُكِّيت بجملة من الأحكام الفقهية التي على الوالدين أن يُعلِّما عليها ابنتهما أو بناتهما، كما قلت، مما يتصل بلباس البنت، وبسفرها وخروجها ومخالطتها للأجانب من الرجال.