⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نحن نجد أن هناك نماذج رائعة قدّمها علماء عُمان عبر تاريخهم فيما يتصل بوحدة الأمة، وبتآلف أبنائها… فبدءًا من النقطة الأخيرة التي كنت أتحدث عنها – وهو تضييق دائرة، كما يقول العلماء الكلام أو من تحدّث في العقيدة: تضييق دائرة ما لا يسع الناسَ جهلُه – فإن علماءنا الأوائل ضيّقوا هذه الدائرة، بحيث حصروه في علم الضرورة من الدين، وعدّوا ما سوى ذلك هو من التفريعات.
فلو أن المسلمين اليوم أيضًا أخذوا بهذا المبدأ، وضيّقوا دائرة خلافاتهم العقدية والشرعية، وحصرها في الكليات، لوجدوا أن كليات الإيمان وكليات التشريع واحدة، ويمكن الالتقاء حولها، ويمكن تجاوز بعض الفروع الاجتهادية؛ فإن لم يمكن ذلك فلا أقلّ من عدم تخطئة الآخرين طالما أنهم يعتمدون على أدلة شرعية.
ولذلك نجد أن علماء الإباضية الأوائل كانوا يسمّون من يختلف عنهم في المذهب يسمّونهم «أهل القبلة»، لا يسمّونهم «المخالفين» إلا فيما ندر، وتسميتُهم بأنهم «أهل القبلة» فيه من الإيحاء بالمعنى الجامع المشترك ما لا يخفى؛ هذا من المصطلحات التي تُخلِّص المسلمين من التنابز بالألقاب، وتجعل لهم خطواتٍ عمليةً تمكّنهم من الالتقاء على هذه المشتركات؛ فلو أن المسلمين اليوم تركوا التنابز بالألقاب، وتركوا التبديع والتفسيق والتكفير، وأحسنوا الظن، وسمّى بعضُهم بعضًا «أهل قبلة»، لوجدنا أن هناك مشتركات يمكن أن تجمع فيما بيننا.
كذلك مما حرص عليه علماؤنا الأوائل – رضوان الله تعالى عليهم – كما قلتُ: مع تضييق دائرة قضايا العقيدة كما يُقال، وحصرِها في أمّهات العقيدة وفي أركان الإيمان، ومع حرصهم على مخاطبة غيرهم خطابًا فيه من التحبيب ومن المودّة ما يبعث في النفس المحبّة، ويبعث على العطف وعلى العناية بهذه المشتركات، نجد أيضًا أنهم حرصوا على عدم سَلِّ السيوف في وجه مخالفيهم؛ فإنهم ما رضوا أبدًا أن يرفعوا السيوف في وجه من يخالفهم الرأي، وناءوا بأنفسهم عن ذلك، إلا حينما اعتدى عليهم غيرُهم؛ فإنهم دافعوا عن أنفسهم.
نجد أيضًا – وأنا هنا أذكر أمثلةً لأني أراك أنك يعني تستعجلني – نجد أن الإمام الجلندى – في سنة 132 هجرية، أي في مطلع القرن، في بدايات القرن، في النصف الأول من القرن الثاني الهجري – وجد إبّان حكمه من يدعو إلى سلِّ السيوف في وجه أهل القبلة، وحادثةُ شيبان الصُّفري الخارجي مشهورة؛ فلجأ إليهم وهو يُكفِّر المسلمين، فشرطوا عليه أن يمتنع عن تكفير أهل القبلة، وعن استباحة دمائهم إن كان يريد منهم إيواءً، فرفض شيبان ذلك، وقاتلهم فقاتلوه حتى قُتِل.
فلما طلبه السفّاح الخليفة العباسي، أرسل قائدَ جيشه خازمَ بن خزيمة إليهم، وطالبهم بميراثه، بأمواله، فامتنعوا؛ لأنهم حينما قاتلوه لم يقاتلوه وهم يعطونه حكم المرتد، وإنما قاتلوه ردًّا لبغيه وعدوانه، وبالتالي فأمواله حقٌّ لوَرَثتِه، ممّا أدّى بجيش السفّاح إلى مقاتلة الإمام الجلندى العُمانيين – وكانت عاصمتُهم صُحار في ذلك الوقت – وأدّى إلى مقتل الإمام، وإلى مقتل كثير من العمانيين في ذلك الوقت؛ حِفاظًا على هذا المبدأ، على مبدأ حفظ الدماء والأموال والأعراض.
نجد – إن كان هناك وقت، هناك الكثير من الأمثلة – نجد من ذلك أيضًا أنهم امتنعوا حينما ظهر فكر القدرية وفكر المرجئة، وبدأوا ينتشرون في بلاد المسلمين، فوصلوا إلى عُمان؛ نجد أن أئمة عُمان في ذلك الوقت اشترطوا عليهم ألا يخوضوا في هذه القضايا التي تُحدِث فِرقةً بين المسلمين، ومنعوهم من ذلك، وأصدروا أوامرهم لولاةِهم بمنع كل من يتحدث في هذه القضايا التي تُحدِث بلبلةً وتثير لغطًا بين أبناء المسلمين.
نجد – لأنتقل إلى فترة قريبة – نجد أنه إبّان دعوة من الدعوات التي نشأت في الجزيرة العربية، وجد من بين طوائف المسلمين من يُكفِّر المسلمين ويستبيح دماءهم ويغزو ديارهم، وفي ذلك الوقت استُفتي المحقق الخليلي عن هؤلاء، وسأله السائل في سؤاله بأنهم يُجسِّمون – أي أنهم ينسبون إلى الله سبحانه وتعالى صفاتِ التجسيم – فهل نقول بشِركهم؟ وهم يغزوننا، هم يغزون عُمان في ذلك الوقت. لكنه – حرصًا على المبادئ، وأخذًا بعقيدة هذا الدين الصافية السمحة – امتنع وحذّر من تشريك أهل القبلة، مع أن كل العوامل – كما يُقال – السياسية والدينية كانت تسوقه سوقًا إلى إصدار مثل هذه الفتوى، لكنه امتنع عن ذلك.
وهذا ما نجده من علماء عُمان ومن حكّامهم في معاملة المسلمين جميعًا مهما تنوّعت مذاهبهم ومدارسهم التي ينتسبون إليها.