⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن الغش من غشَّ يغِشُّ غِشًّا، بمعنى دسَّ في الأمر، أخفى القبيح وأظهر الحسن لأجل أن يُروِّج لذلك القبيح من حيث لا يعرف الناس.
يكون هذا الغش في التجارة، وذلك بأن يُظهر الإنسان من السلعة التي يبيعها وجهها الحسن ويُخفي وجهها القبيح حتى يُروِّج لها، وحتى يكسب من ذلك ما يكسبه من المال المحرَّم الذي يأتيه من قِبَل المشتري بغير وجه شرعي.
وقد يكون الغش أيضًا في مجالات مختلفة؛ قد يكون الغش في الدين، وذلك بأن يُفتي أحدُ الناس بخلاف الحق ويدفع بهم إلى ركوب والوقوع في المحظورات، ويكون الغش أيضًا للأمة بغمط حقِّها الشرعي الذي جعله الله سبحانه وتعالى لها، كلُّ من ذلك إنما هو غشٌّ.
وينسحب على كلٍّ من ذلك قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشَّنا فليس منَّا».
ومن الغش: الغش في الاختبارات، الذي يتسلَّق به الكُسالى من أجل أن يظهروا بمظهر العلم من غير أن يدفعوا ضريبةً للوصول إلى هذه المرتبة التي يرتقون إليها في الظاهر، هذا كلُّه مما هو معدود في الغش، لأنه غشٌّ للناس؛ إذ هذا الذي تسلَّق بالمخادعة إلى ما تسلَّق إليه من الشهادات العلمية، ومع ذلك هذه الشهادة في حقيقتها مزوَّرة، لأنها مبنية على غش.
هذا هو غاشٌّ لأمته، لأنه يغشُّ الذين يعملون معهم عندما يعرض لهم هذه الشهادة فيتقبَّلونها ويدفعون إليه الراتب الذي لا يستحقه، وكذلك يغشُّ في العمل الذي يعمله؛ فإن كان طبيبًا فإن الذين يأتون إليه للعلاج إنما يغشُّهم، وإن كان مهندسًا فكذلك، وإن كانت تتعلَّق شهادته التي توصَّل إليها بالجانب الشرعي فكذلك؛ قد يكون مدرِّسًا وهو ليس أهلًا أن يُدرِّس، فيكون بذلك غاشًّا لتلاميذه الذين يدرِّسهم، وقد يكون مفتيًا مثلًا وهو ليس أهلًا لهذا، وقد يكون قاضيًا وهو ليس أهلًا للقضاء، لأنه ليست عنده الحصيلة العلمية التي تمكِّنه من القضاء، وقد يكون واعظًا وهو يعظ الناس بما لا يعرف، فكل من ذلك يُعَدُّ غشًّا للأمة.
الغش قبل كل شيء جريمة بكل معنى الكلمة: جريمة دينية، وجريمة أخلاقية، وجريمة اجتماعية. هذه الجريمة تنعكس آثارها على المجتمع كله، فلذلك كانت هذه الجريمة جريمة لا تقف عند حدٍّ، لأنها لا تنحصر في طائفة من الناس فحسب، بل تشمل المواطنين وغير المواطنين، كلُّ من كان على تراب الوطن المغشوش فلا ريب أن أيَّ أثرٍ لهذا الغش يسري عليهم وينتقل داؤه إليهم والعياذ بالله.
كما تفضَّل سعادة الدكتور، الغش أخذ مسالك متعدِّدة، يُؤخَذ ثورٌ ميت ويُحمَل إلى المَسلَخ ويُذبح ثم يُباع؛ الميتة هي من ناحية الدين حرام، ومن ناحية الصحة هي داء بكل الاعتبارات، هي ضرر كبير: ضرر ديني وأخلاقي واجتماعي، ولكن مع ذلك الناس لا يبالون في سبيل هذه الأرباح من المال التي يتوصَّلون إليها بالغش، لا يبالون بأن يضحُّوا بكل شيء؛ أن يضحُّوا بدينهم، ويضحُّوا بمجتمعهم، ويضحُّوا بأمتهم في سبيل تحقيق هذه الرغبات وإشباع هذه الشهوة، شهوة المال الجامحة، لا يبالون بأي شيء، أن يطأوا على كل فضيلة، وأن يدوسوا على كل خُلُق من أجل الوصول إلى هذه الغاية.
ها هي سموم تُنشر فيما بين الناس، والله سبحانه وتعالى جعل للإنسان قيمة عظيمة؛ الله سبحانه شدَّد في قتل الإنسان أيَّ إنسان كان، فقد قال عزَّ من قائل: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ۖ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].
وقد قرن الله سبحانه وتعالى قتل النفس المحرَّمة بغير حقٍّ بالشرك به وبالزنا، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا يَزْنُونَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا، فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾.
فكيف يَجْرُؤ الإنسان، وكيف يأمن هذا الإنسان الذي يُروِّج لهذه السلعة التي لا تصلح للاستهلاك، لا تصلح للاستعمال، سلعة مضى عليها من الزمن ما يجعلها حَرِيَّة بأن تُرمى في المزابل، كيف يأمن هذا الإنسان عندما تُروَّج هذه السلعة ويُخدع بها الناس، ويشتريها المشترون المغرورون بها، كيف يأمن أن يترتَّب على نشرها وترويجها هلاك أنفس؟ وكل أحدٍ مسؤولٌ عمَّا تسبَّب له، فالذي تسبَّب لقتل النفس هو مسؤول عن ذلك، وأيُّ مشاركة في وأدِ أيِّ نفسٍ بشرية إنما هي مشاركة في جريمة كبرى، يُعدُّ أيُّ شريكٍ في ذلك قاتلًا للنفس.
وكذلك بالنسبة إلى الغش في الأشياء التي تؤدي إلى أي نوع من أنواع الفساد، هذه أيضًا محاربةٌ لله تعالى ولرسوله، ومحاربةٌ للأمة، هؤلاء يُعدُّون في منتهى الإجرام؛ لأن جُرمهم لم يقف عند حدٍّ.
وبجانب هذا أيضًا هم يأخذون المال بغير حقٍّ، قد شدَّد الله سبحانه وتعالى في أخذ الأموال، أموال الغير؛ الأموال لها حُرُمات، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ، وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ، لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ، وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا، فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا، وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
والله سبحانه وتعالى شدَّد في أكل أموال اليتامى تشديدًا خاصًّا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا، إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
وهؤلاء يأخذون أموال الكل، يأخذون أموال اليتامى وأموالَ سائر الناس، ولا يبالون بذلك، يأخذونها بغير حقٍّ؛ سلعة ليست لها قيمة، عندما تنكشف عن حقيقتها لا تبقى لها قيمة، لأنها ضرر وليست بنفع، ليس فيها ما ينفع، كلُّها ضرر، هذه السلعة تُؤخَذ عليها الأثمان الغالية كأنها سلعة جديدة، هذا من الإجرام الكبير الذي لا يقف عند حدٍّ.
وإذا جئنا إلى الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم نجد أنه عليه أفضل الصلاة والسلام شدَّد في أخذ المال بغير حِلِّه؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «القليل من أموال الناس يُورِث النار»، فقيل له: وإن كان شيئًا قَلِيلًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: «وإن كان قضيبا من أراك». ويقول: «رُدُّوا الخيط والمخيط، وإياكم والغلول فإنه عارٌ على أهله يوم القيامة».
والأحاديث في هذا الباب أحاديث كثيرة، وشدَّد على الإطلاق في الغش؛ قال: «من غشَّنا فليس منَّا»، أي ولو كان من أهل ديننا، ومن أهل ملَّتنا، وينتمي إلينا، وهو خليطٌ بنا، ولكن ليس منَّا؛ لأننا علينا أن نبرأ منه ونبرأ من أفعاله التي يفعلها؛ فمن غشَّنا فصل نفسَه عنَّا.
وإذا كان هذا في أيِّ غشٍ كان، قليلًا كان أو كثيرًا، فكيف بالغش الذي يؤدي إلى نشر هذه الأمراض والأوباء... وهذه البضائع التي يستهلكها الناس وهي تُعدُّ سمومًا، أمرُ هذه البضائع أشد، ومع هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم قولته هذه: «من غشَّنا فليس منَّا».
وكذلك ما يفعله الناس كما سمعنا من سعادة الدكتور من تطفيف الكيل والموازين، هذا أمر خطير أيضًا، ومن الغش المحرَّم، والقرآن الكريم توعَّد على ذلك أشدَّ الوعيد، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
هؤلاء يتوعَّدهم القرآن هذا الوعيد الشديد على ما يفعلون من تطفيف المكاييل، وكذلك بالنسبة إلى الموازين، كلُّ من ذلك يؤدِّي إلى غشِّ البشر، وصاحب الضمير الحي يأبى أن يقبل ذلك فضلًا عن صاحب الدين.
والله تعالى المستعان.