⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه القضية تشتمل على جملة من الأمور:
أولًا: حينما نقول بأن الأدلة الشرعية تؤكِّد إمكانية التأثير، فإن هذا لا يعني أن نُسنِد كلَّ ما يصيبنا إلى هذه المسبِّبات، كما أننا حين نقول إن سوء التغذية يمكن أن يؤدِّي إلى أمراض كذا وكذا، ما أصيب الإنسان فلا يعني أن أيَّ مرض يصيبه منشؤه سوء التغذية، وكذا الحال حينما نقول أيضًا إن الاضطراب النفسي يمكن أن يؤدِّي إلى أنواع من الأمراض النفسية، أو أنواع من الأمراض العصبية، فإن هذا لا يعني أن كل ما يُصيب الإنسان – في بدنه أو في نفسه أو في عقله أو في حياته، حتى من المصائب أو من الإخفاقات – إنما منشؤه ذلك الاضطراب النفسي، لا.
إنما نحن نُثبت أن هناك إمكانية لتسبُّب السحر وتسبُّب الجن – نعم – بعوامل عديدة في التأثير على صحة الإنسان، كما أن الإنسان يمكن أن يؤثِّر كما في الرواية السابقة.
وهناك العديد من الروايات على أن بعض الناس يقول بأن تأثير الجن كان محصورًا في عهد سليمان عليه السلام وفي سحرة فرعون في عهد موسى عليه السلام، لو كان الأمر كذلك، فلمَ علَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم – عليه الصلاة والسلام – هذه، ويتلو هذه، ويعلِّمها الناس، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 1-5]، وسورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَـٰهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 1-6].
وكذا الحال أيضًا بالنسبة لقوله صلى الله عليه وسلم: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: اللهم جنبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رزقتنا؛ فإنه إن قُدِّر لهما ولد لن يضرَّه الشيطان بإذن الله».
ما معنى هذا الحديث الذي يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وما معنى أيضًا ما كان يعلِّمه صلى الله عليه وسلم لولديه الكريمين – لحفيديه الكريمين الحسن والحسين – حينما كان يقول لهما: إن أباكما إبراهيم كان يعوِّذ ولده إسماعيل بقوله: «أعوذ بكلمات الله التامات العامات من شر ما خلق».
والاستعاذات الكثيرة التي علَّمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجملة من الروايات الصحيحة الثابتة عنه، كما في قصَّة: أنه صلى الله عليه وسلم عَرَض له الشيطان في صلاته، فخنقه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: فـ… كدتُ أن أوثقه في السارية حتى يصبح فتنظروا إليه – كان يقول لأصحابه هكذا – ثم تذكرت دعاء سليمان: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾ [ص: 35]، فأفلتُه.
وقصته مع ابن الصيَّاد، الفتى اليهودي الذي كان يتكهَّن، فيأتي ببعض الأخبار التي يظهر للناس أنها من عالم الغيب، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يأتيه – يعني هناك روايات عديدة أنه كان يأتيه – فالقصة مشهورة، موجودة عند الإمام البخاري، في أنه أيضًا حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «قد خبأتُ لك خبيئة»، فأشار ابن الصياد إلى كلمة «الدخ»، فقال له صلى الله عليه وسلم: «اخسأ عدوَّ الله»، أو ما في معناه، وأنها ليست كهانة – يعني في بعض الروايات عند غير البخاري – لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أضمر في نفسه قول الله عز وجل – كما يقول شُرَّاح الحديث، وكما في بعض الروايات –: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: 10]، فأشار إليه ابن الصيَّاد إلى ما كان صلى الله عليه وسلم قد أضمره أو إلى بعضه عليه الصلاة والسلام، فبيَّن – عليه الصلاة والسلام – أن ما ذلك إنما هو من التكهُّن، وليس هو من الوحي ولا من علم الغيب في شيء.
فهذه في مجملها تؤكِّد هذه الحقيقة، لكن – كما قلت – هي لا تعني أن ينسب الإنسان كل ما يصيبه إلى هذه المسببات.
وفي المقابل أيضًا، حتى الأمراض العضوية، من يُفسِّر لي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «داووا مرضاكم بالصدقة»، عليه الصلاة والسلام؟ «داووا مرضاكم بالصدقة»، يعني هذا المرضى هنا قد يكونون مرضى بأي مرض كان، ومع ذلك فهو – عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام – يُرشِد إلى أن تكون المداواة بالتصدُّق، وأن من وسائل العلاج التصدُّق؛ فما دخل بذل المال في شفاء المريض، مع أن كثيرًا من الناس قد يقولون بأن هذا المرض مرض عضوي، ولا دخل للصدقات في علاج المرضى؟
إلا أن هذا لتأكيد حقيقة أن كل شيء إنما هو بيد الله سبحانه وتعالى، هو مسبب الأسباب، وهو الذي يقدِّر العلاج، وهو الذي يقدِّر الشفاء سبحانه وتعالى، وهو الذي يبتلي عباده.
ومن هنا نخلص إلى أن هناك رُقًى شرعية، وهناك أذكارًا مخصوصة، لا بد أن يحرص عليها المسلم، لا سيما المواظبة على تلاوة كتاب الله عز وجل، وهناك سورٌ بأعيانها هي أفضل في تحصين المسلم وفي رقيته وتعويذه من هذه الشرور، كسورة البقرة، ومواظبة قراءة فواتيح – بدايات – البقرة، وآية الكرسي، وخواتيم البقرة، وقراءة المعوِّذتين، وآيات معلومة ثبتت في سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه من الرُّقَى الشرعية التي على المسلم أن يحصِّن بها نفسه.
هو ليس في حاجة إلى أن يلجأ إلى غيره من الناس، نعم، قد يكون الصلحاء والفضلاء من أهل العلم أقرب إلى الله تبارك وتعالى، وقد تكون نفوسهم أصفى وأنقى، ويكون دعاؤهم أقرب إلى الإجابة، لا حرج أيضًا، بشرط أن يكونوا من أهل العلم والتقوى، لا أن يكونوا من الدجَّالين أو من الجهلة.
ومعرفةُ العالِم ليست بالأمر العزيز على الناس: هل هذا الشخص من أهل العلم أو لا؟ لأن للعلم علامات، كما أن للجهل أيضًا علامات وخصائص، ومعرفة كونه أيضًا هل هو من أهل الصلاح والتقوى أو ليس كذلك إنما تكون بالسؤال والتحرِّي والبحث عنه، فإن ظهر عليه الصلاح والخير والتقوى، وكان من أهل العلم، فلا حرج؛ لأنه ثبت أيضًا أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يَرْقُون بعضهم بعضًا، وعرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم رُقًى.
إذًا، وهذا لا يقتصر على من كان مرضه مرضًا يعود سببه إلى تأثيرات السحر أو الجن، بل حتى المريض العضوي الذي يُصاب بمرض عضوي هو مأمور أيضًا أن يحصِّن نفسه بالرُّقَى الشرعية، وأن يُكثِر من ذكر الله تبارك وتعالى، وأن يأخذ بكل الأسباب، كما أن في المقابل المريض الآخر أيضًا مأمور أن يلتمس الدواء، وأن يبحث عمَّا يعينه على الشفاء مما هو فيه.
والله تعالى أعلم.