⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولا: يعني أنا لست من العلماء، قد أكون من صغار طلبة العلم، وأسأل الله سبحانه وتعالى ألا يؤاخذنا بذنوبنا، وأن يفتح لنا من أبواب علمه ورحمته.
هنا قضية لابد من أن ينتبه لها الناس، فإن دور العلماء ليس تلبية ما يطلبه الناس وتحقيق ما يريدون وفق ما يظنه الناس، وإنما دور العلماء أن ينظروا للناس، وأن يبينوا لهم الأحكام الشرعية، وأن يبينوا لهم مواضع الخلل.
بعد هذه المقدمة البسيطة –التي ستتضح بما يلي من كلام استلهمته من كلامي ومن أسئلة بعض الإخوة الذين سألوا– يكون دور العلماء كما قلت بتشخيص الداء؛ ونحن لا بد لنا أن نعترف –كما أشار الأخ سيف العوفي في اتصاله– أن مما آل بأوضاع المسلمين إلى أن تكون بهذه الحالة اليوم هو ضعف المسلمين أنفسهم وبعدهم عن منهج الله تبارك وتعالى، وهذا ما دل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: «يوشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تتداعى الأكلة على قصعتها»، فقال قائل: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن»، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت».
ونحن إذا تأملنا عموم أوضاع المسلمين اليوم نجد أنهم –للأسف الشديد– اشتغلوا بشهواتهم وأهوائهم، وبزين هذه الحياة الدنيا وزخارفها، وانصرفوا عن منهج الله سبحانه وتعالى في أنفسهم، وعن منهجه جل وعلا في مجتمعاتهم وفي أوطانهم، فاختل لديهم الموازين، وفقدوا ميزان الأولويات الذي يبصرهم بحقائق هذه الحياة، فآل حالهم إلى الضعف والتأخر، فصاروا نهبة لغيرهم من الأمم القوية منها وغير القوية، وهذا حال يؤسف عليه.
وبالتالي فإذا ما أردنا أن نحرر أنفسنا من مثل هذه الأوضاع لا بد لنا من عودة صادقة إلى منهج الله تبارك وتعالى وإلى دينه القويم، فهما صحيحا ووعيا وتعلما لأحكامه ومراده، وامتثالا بها وتطبيقا بأحكامها في واقع حياتنا، بحيث يسود حياة الناس شرع الله تبارك وتعالى، وتسود معاملاتهم خُلُق هذا الدين القويم، ويبعثهم هذا الدين إلى كل ما فيه العزة والكرامة لهم من العلم النافع، ومن السعي في مصالح هذه الحياة، ومن القوة الاقتصادية، ومن التماسك الاجتماعي، ومن الأخوة الحقيقية؛ ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71] كما يقول الله تبارك وتعالى.
هذا لا يُعفى منه أحد، لا يُعفى منه أحد من المسلمين؛ من طالب علم –أيا كان نوع العلم الذي يدرسه– أو صاحب قرار، أو صاحب قلم، أو صاحب كلمة، أو صاحب دعوة خير في المجتمع، كلٌّ عليه أن يسعى إلى أن يحافظ، وأن يثبت معالم هويته، وأن يتمسك بها، وأن يبصر بها الآخرين، لا لشيء إلا لأنها مصدر رحمة للإنسانية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
ثم يضاف إلى ذلك أهمية أن يتزود المسلمون من العلوم النافعة التي يتمكنون بها من أن يكونوا في مصاف ذوي القيادة والريادة في العالم، وأن يتمكنوا أيضا من توظيف ثرواتهم الطبيعية والموارد التي حباهم الله تبارك وتعالى بها في مصالحهم، وفي إعزاز أنفسهم، وفي إعلاء شأنهم، وفي بناء قوة لهم؛ لأن هذا هو واقع الحياة.
هذه الأدوار جميعا هي مما ينبغي أن يلتفت إليها الناس، وكم نبه العلماء والدعاة وطلبة العلم إلى هذه المواضع، وبيَّنوا تشخيص هذه الحالة، ودعوا إلى الالتفات إلى وسائل العلاج، إلا أن الناس تظن أن العلاج لا يكمن إلا في أمر يرونه هم بأنفسهم؛ فيظنون أن حتى من يتصور أن دفع هذا الظلم لا يكون إلا بانتداب النفس للقتال لمقاتلة الأعداء لا يتصور أن أمر القتال يحتاج إلى إعداد، ويحتاج إلى تدريب، وإلى خطط، وإلى استراتيجيات مواجهة، وإلى مؤن، وإلى غير ذلك؛ فهذا الجهل لن ينفع المسلمين ولن ينفع قضايا المسلمين.
لابد من العودة الصحيحة، وأن تكون هذه العودة وفق منهج الله سبحانه وتعالى وشرعه الحكيم؛ وهذا الشرع حينما ينبه العلماء، وحينما يدعو العلماء الناس إلى التوبة والاستغفار والعمل الصالح، وإلى الدعاء لإخوانهم المؤمنين، وإلى طلب العلم، وإلى التبصر بما يحصل للمسلمين، وحينما يوجهون خطابهم للقادة والساسة وأهل الفكر ورجال الإعلام يدعونهم، وحينما أيضا يقدمون من أنفسهم أمثلة بتشكيل وفود لملاقاة من يسمَّون بالقيادات الدينية في العالم –سواء كانت أديانا سماوية كما يقولون، أو أديانا تقليدية– فإن من واجبهم أيضا أن يوصلوا هذه الرسالة إلى هؤلاء، وأن يبينوا حقائق أمور هؤلاء الشعوب، هؤلاء المسلمين الذين ينضوون في أوطان هذه القيادات، وهذا ما يقومون به.
لكنك تجد في المقابل أن كثيرا من الناس لا يفهم هذه الحقائق، وإنما يصوِّر أن دور العلماء إنما دور ينشأ من ضعف، ومن محاولة إلى صرف الناس عن ذات القضية إلى قضايا هامشية، وليست دعوة الناس إلى العودة إلى منهج الله عز وجل، وإلى تحكيم شرع الله عز وجل، وإلى تعاليم كتاب الله تبارك وتعالى هي من القضايا الهامشية؛ بل هي صلب نصرة أحوال المسلمين، وهي السبب، العروة الوثقى التي تمكن المسلمين –بإذن الله تعالى– من الخروج من أوضاعهم هذه إلى ما فيه عزتهم وكرامتهم بحول الله تعالى.