⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نقول أولاً: إن هذا دليل على أن القرآن من عند الله عز وجل، فهو ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك فإن القرآن صوَّر لنا حتى المواقف التي فيها عتابٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، وفيها عتابٌ لمجموع المؤمنين، كما في موضوع الأسرى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 67].
فهذه هي الحكمة الأولى التي نقرأها من مثل هذا الحدث.
الأمر الثاني: أن هذا الدين هو دين موضوعه الإنسان، وهذا الإنسان مركَّب من عواطف ومشاعر ورغبات وأهواء وشهوات، وهذه الفطرة التي فُطر الناس عليها هي التي يتناولها القرآن العظيم بالإصلاح والتربية والتنشيئة، خاصة في مثل هذه المرحلة الحرجة؛ هذه الفترة التي حصلت فيها هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هاجر معه إلى المدينة، وقد خرجوا وتركوا وراءهم ديارهم وأموالهم وأولادهم، خرجوا بأنفسهم فقط، وأنشَؤوا مجتمعاً جديداً في المدينة المنورة، واستقبلهم الأنصار فآثروهم على أنفسهم، وكانوا في عَوَز، ومع ذلك فإن صدورهم كانت أوسع لهم من بيوتهم.
هذه المرحلة هي لا شك مرحلة تربوية مهمة؛ ولذلك فإنه لا نَسَبَ بين أحدٍ من العباد وبين الله سبحانه وتعالى، ومقتضيات التربية القرآنية أن تُبيِّن مواضع الخطأ حتى لهؤلاء الذين يقوم عليهم الدين؛ فالحق في هذا الدين إنما يُعرَف بالحق نفسه، والصواب إنما يُعرَف باقتراب الناس من الحق، ولا يُعرَف بالأشخاص، بل الأشخاص والرجال هم الذين يُعرَفون بالحق.
ولذلك فإن القرآن يُعلِّم المؤمنين هذا المبدأ، ويُرسيه ليكون أساساً تقوم عليه تربيتهم لأنفسهم، وتقوم عليه تربيتهم لأجيالهم؛ فالرجال إنما يُعرَفون بالحق.
أما الحكمة الثالثة، فهي مبنية على الحكمة الأولى، وهي كون هذا الإنسان قد جبله الله تعالى على أهواء وشهوات ورغبات؛ فإنه لا ينبغي لنا أن ننسى أن المهاجرين كانوا قد أُخرِجوا من ديارهم وأموالهم، وأوذوا من بني قومهم، أُخرِجوا من أوطانهم، أُخرِجوا من مرابع طفولتهم ومن المراتع التي قضوا فيها حياتهم، ولذلك فإن هذا الموضوع من أصعب ما يمكن أن يُلاقيَه الإنسان، والله تعالى قد جعله نظير القتل حينما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 66]، ومع أن ذلك كان باختيارهم – أي هؤلاء من بني إسرائيل الذين أمرهم الله تعالى بذلك – بينما هؤلاء قد أُخرِجوا من قِبَل قومهم، أُخرِجوا من آبائهم، أُخرِجوا من قِبَل أبنائهم وإخوانهم وبني عمومتهم ومن عشيرتهم، وجُرِّدوا من أموالهم ودورهم وأملاكهم.
ووصلوا إلى الأنصار، وما كان الأنصار أهل يسار وغنى، ومع ذلك فقد جادت نفوسهم وشاركوهم، فكانوا في عَوَزٍ شديد، وأصابتهم المخمصة، وكانوا في شدة، حتى حينما خرجوا، رسول الله صلى الله عليه وسلم قال – كما عند الإمام مسلم –: «إِنَّ لَنَا طَلِبَةً، فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا فَلْيَرْكَبْ»، فبعضهم استأذنه في أن يكون؛ لأن ظهورهم كانت في أعالي المدينة، فقال: «لا، إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا».
حينما ننظر في العتاد الذي أخذوه معهم – كما يُقال: فرسان أو ثلاثة على أقصى تقدير، كانوا ثلاثمائة وواحداً، وما عندهم إلا سبعون بعيراً – فكانوا يتعاقبون الاثنين والثلاثة يتعاقبون البعير الواحد، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاركهم في ذلك عليه الصلاة والسلام، وكان حينما يأتي دوره ويطلب منه صاحباه أن يركب ويمشيان، قال صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْكُمَا مِنَ الأَجْرِ».
فجُرِّدوا من كل أملاكهم وأموالهم، وهم الآن يرون هذه الغنائم والأنفال، ولَمَّا يَنْزِلْ فيها حكم شرعي بعد، وقد انتهت المعركة، ولذلك تساءلوا؛ فمنهم من باشر القتال كان يريد نصيبه، ومن كان في الحراسة والنظارة يريد نصيبه، ومن أَخَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة لأي غرض كان أيضاً يريد نصيبه.
ولكن الله سبحانه وتعالى حسم الأمر، وقال حينما سألوه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1]، ثم مباشرة نقلهم إلى ما يُعالِج به هذا الوضع: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 1]، ثم بيَّن لهم الصفات التي ينبغي أن يتحلَّوا بها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 2-4]، ثم قال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: 5]… ثم بعد جملة آيات، بعد صفحات، قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] إلى آخر الآية القرآنية.
معنى ذلك أيضاً – كما فهمتم – أن المتقي يمكن أن تدخل فيه شيء من المطالب؟ هي ليست أطماعاً، هي مطالب بحقوق بسبب الوضع الذي كانوا فيه؛ ولذلك ما أُثِر عن كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا الموقف؛ كانوا صابرين متحمِّلين… وإنما أُثِر عن جملة من الصحابة أنهم تساءلوا عن الأنفال والغنائم، وعن سَلَبِهم من قتلاهم: فهل هي لمن باشر القتال، أو لمن كان في النظارة والحراسة، أو لمن تأخَّر؟ وكان فيهم من المهاجرين والأنصار.
ولذلك أيضاً معالجة هذا الوضع لم تتأخر؛ جاءت المعالجة فوراً: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فبذلك أُسْكِت الجميع؛ هي ليست لأحد، هي ليست للمهاجرين، وليست للأنصار، هي ليست للمقاتلين، وإنما هي لله والرسول، فلما سمع المسلمون ذلك توقَّفوا، وفي هذا – كما قلنا – من التربية ما لا يخفى.