⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى أودع في هذا الإنسان عقلا يصرفه ويبصره بما يأتي وما يذر، ومن لم يهتد بعقله كان شرًّا من الحيوان الأعجم، إذ في الحيوان الأعجم فطرة تهديه وتجعله يتقي أسباب الضرر وأسباب الخطر، بينما الإنسان عندما يطمس عقله أو يتجاوز عقله أو يركبه الغرور حتى يعمي بصيرته فلا يستجيب لداعي العقل في هذه الحالة لا تبقى فطرة في نفسه تسوسه إلى الخير وتبصره بمواقع الخطر وما يأتي وما يذر، إنما يبقى هكذا سائبًا في حياته لا يقوده أمر إلى خير، لا يمنعه زاجر عن شر، والله تعالى المستعان.
ولا ريب أن الغرور إذا استحكم في النفس دفع الإنسان إلى الكثير، فلربما دفع الغرور ببعض الناس إلى حب الظهور بأنهم أبطال، هم يرون أنهم في سباقهم عندما يكون أحدهم على المقود هو من مظاهر البطولة والبروز بين الناس، لا يدرون أنهم في تسابقهم هذا إنما يتسابقون إلى النار والعياذ بالله، لأنهم يسابقون إلى النحر والانتحار.
فالإنسان عندما يسوق مركبه ولا يبالي بحيث يضغط على ما يحرك قوة تلك المركبة، فلا ريب أنه لا يبالي في هذه الحالة بحياته، ولا بحياة الركاب معه، ولا بحياة من يمشون في الطريق، ولا بحياة أصحاب المركبات الأخرى ومن فيها، إنما يسوقه الهوى إلى أن لا يبالي بالعواقب.
وليست هذه العاقبة فقدان هذه الحياة فحسب، بل العاقبة أكبر من ذلك، لأن العاقبة إنما هي مصير إلى الجحيم والعياذ بالله، إذ الله تعالى لا يرضى للإنسان أن ينتحر بنفسه، ولا يرضى للإنسان أيضًا أن يكون قاتلًا لغيره. حسبنا ما نجده في كتاب الله من التحذير البالغ من ذلك كله، كقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 29-30]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 68-70].
فجدير بهذا الذي يمسك المقود أن يكون أمينًا على هذا المقود الذي يمسكه، ومعنى ذلك أنه يجب عليه أن يكون أمينًا على حياته، وأن يكون أمينًا على حياة من يجب عليه أن يحافظ على حياتهم، يجب عليه أن يكون أمينًا على حياة الركاب معه، وأن يكون أمينًا على حياة أصحاب المركبات الذين يسيرون في نفس الطريق الذي يسير فيه، وأمينًا على حياة المشاة في الطرق، وأمينًا على كل ما يمشي في الطريق ولو كان حيوانًا أعجم، إذ الحيوان الأعجم أيضًا حرماته ويجب أن يحافظ على سلامته.
فالإنسان الذي لا يبالي، معنى ذلك أنه انسلخ من الإنسانية. على أن هذا الذي لا يبالي بهذه الحالة لا يفكر إن كان عنده أولاد في مصير أولاده، ولا يبالي إن كانت عنده زوجة في مصير زوجته، ولا يبالي إن كان له أبوان في مصير أبويه وكيف يرثان لحاله عندما يُصاب، لا يبالي بهذا كله، إنما يتعامى عن نداء العقل ويستجيب لداعي الهوى والعياذ بالله، فمثل هذا انطمست منه كل بصيرة.
فلا ريب أن الغرور الذي يحمس الشباب إلى الاندفاع وراء السرعة من غير مبالاة بعواقبها هو الذي يوقعهم والعياذ بالله في الهلكة، هو الذي يقضي على شبابهم ويقضي على حياتهم، وفي دار الآخرة أيضًا يقضي على سعادتهم بحيث ينقلبون والعياذ بالله إلى الجحيم عندما يموتون على هذه الحالة، والعياذ بالله تعالى، عياذًا بالله.