⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن موضوع الاستقامة ومحاولة التعرف على ما يكتنف هذا المصطلح من معانٍ ودلالات مما يحتاج إليها الفرد في واقع حياته، وليس الفرد فقط محتاجًا إلى معرفة المعاني والدلالات التي ينطوي عليها مصطلح الاستقامة، بل المجتمع والأمة والإنسانية جمعًا، فلذلك موضوع الاستقامة من الموضوعات الهامة جدًّا التي ينبغي للمسلم أن يقف عندها وأن يتعرف على دلالاتها ومعانيها.
والاستقامة – وأنا أقدِّم بداية – أن موضوع الاستقامة في حقيقته موضوع سهل، موضوع بعيد تمامًا عن التعقيد من حيث معناه ومن حيث كيفيته وتطبيقه، من حيث بواعث هذه الاستقامة التي تدعو هذا الفرد إلى أن يكون مستقيمًا، ومن حيث التعرف أيضًا على العوامل التي يمكن أن تؤخر هذا الفرد عن الاستقامة فيغدو بعد ذلك بعيدًا عنها. هو موضوع سهل، لا بد أن نقرِّر هذا بداية، وسَيتبيَّن ذلك من خلال جوابي على سؤالك.
تناول القرآن الكريم للاستقامة – في المواضع التي حاولت أن أستقرئ فيها آيات الكتاب العزيز – لا يخلو من إحدى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن تكون مأمورًا بها، يأتي السياق آمرًا العباد بالاستقامة، وهذه بضعة آيات، وهي الآيات الأقل في كتاب الله عز وجل، ومنها قوله سبحانه وتعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء المرسلين: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]، ومن تاب معك؛ هذا أمر صريح بالاستقامة للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده. والآية التي ذكرتموها في مقدمة البرنامج اليوم: خطاب الله عز وجل لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 89]، هو أمر صريح بالاستقامة أيضًا يخاطب به هذان النبيان الكريمان. ونجد أيضًا في موضع آخر: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: 6]، وويل للمشركين؛ هو أمر صريح للعباد بالاستقامة.
هذا نوع أول.
وهناك نوع آخر من الاستقامة، وهو: بيان أن الاستقامة من الصفات التي يتصف بها صنف من عباد الله عز وجل، قاموا بأعمال معينة، صُفُّوا بخصال معينة، بلغتهم نعيمًا في الحياة الآخرة. هذا الصنف هم المؤمنون الأتقياء الصلحاء، فالله سبحانه وتعالى وصفهم في الكتاب العزيز في مواضع كثيرة بالاستقامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون [فصلت: 30]. في موضع آخر نجد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: 13]. إذاً وُصف هؤلاء بأنهم استقاموا بعد إقرارهم بعقيدة التوحيد، بعد إعلانهم: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾، عقيدة جازمة تسيطر على قلوبهم، ثم عبَّر الله سبحانه وتعالى عمَّا يمكن أن يشتمل على كل صفاتهم وأعمالهم الصالحة وأخلاقهم الفاضلة النبيلة وسعيهم الحميد بقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، ولم يذكر صفات أخرى إلا لاحقًا. نعم، هذا صنف ثانٍ، هذا نوع آخر من وجود مصطلح الاستقامة في كتاب الله عز وجل.
هناك نوع ثالث، وهو: أن تأتي الاستقامة موصوفًا بها هذا الدين، وهذا كثير في كتاب الله عز وجل، كما نجد في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]. نجد أيضًا هذا الوصف في قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: 153]. نجد أيضًا: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: 161]، هذا النوع كثير في كتاب الله عز وجل.
فإذا هي ثلاثة أنواع، يعني ذكرها في تناول الاستقامة في كتاب الله عز وجل يمكن أن يُقسَّم إلى ثلاثة أنواع: الأمر الصريح بالاستقامة، بيان أنها من صفات عباد الله المخلصين الأتقياء الذين بلغهم جناته العالية، أيضًا صفة لهذا الدين، صفة لهذا الصراط الذي يسأل المسلم ربه في كل صلاة من صلواته، في كل ركعة من ركعات صلاته أن يهديه إليه، وموصوف بها هذا الدين، أنه صراط مستقيم.
هذا الوحي المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي بلَّغه إلى الناس، وعُبِّر عنه بالدين، موصوف بأنه مستقيم، وشُبِّه هذا الدين بأنه صراط للدلالة على أنه طريق واسع، طريق سالك واسع الأرجاء، ووُصف بأنه مستقيم، وهذا معنى الاستقامة في معناها اللغوي.
ولذلك قلت: هو موضوع بسيط؛ لأن الاستقامة في حقيقة معناها تعني عدم الاعوجاج والانحراف، هذا هو معنى الاستقامة؛ أن الاستقامة هي نقيض الانحراف، نقيض الاعوجاج، فالشيء المستقيم هو الذي لا عوج فيه ولا انحراف. والاستقامة أيضًا استُخدمت في القرآن الكريم مجازًا للدلالة على الحق الذي لا مِرْية فيه؛ لأن المِرْية فساد، والفساد انحراف، ولذلك هذا الاستخدام موجود في كتاب الله عز وجل.
كما أن يوجد من معاني الاستقامة – في نفس السياقات التي ذكرناها – معنى الوفاء والصدق، كما في سورة التوبة: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: 7]، أي: فما صدقوا في وعدهم، وكفُّوا عن القتال، وامتنعوا عن الحرب، فما عليكم إلا الوفاء والصدق أيضًا في مقابل وفاء أولئك وصدقهم.