⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أحسنت، يعني هذه السياقات، أو في مثل هذه المواضع، الأصل فيها الإيمان، ولذلك ذُكرت الاستقامة، أو ذُكر لفظ الاستقامة بعد ذكر العقيدة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، وهذا تكرر في سورة فصلت وفي سورة الأحقاف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا إلى آخره، وفي سورة الأحقاف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
لكن لماذا لم يُكتفَ ببيان أو بذكر صفة الإيمان ولم يُتبع بشيء من الصفات العملية، مع أن الإيمان من لوازمه العمل الصالح، فالإيمان لا يكون نافعًا لصاحبه إلا إن كان مصحوبًا بعمل صالح يُصدِّق ذلك الإيمان الذي يستقر في القلب؟ نعم، السبب في ذلك هو التنويه بشأن هذه الاستقامة؛ كما أننا نجد في كتاب الله عز وجل أن الإيمان في أغلب المواضع يُذكر متبوعًا بالعمل الصالح، حتى إن العلماء يقولون: إن بعض المواضع التي لا يُذكر فيها الإيمان مقرونًا بالعمل الصالح، أو متبوعًا بالعمل الصالح، فإنه متضمَّن في معناه.
أما ما جاء من الأوامر التي خُطب بها الأنبياء والمرسلون، كما في سورة هود: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، وكما في قوله تعالى في سورة يونس: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، الحقيقة أن هذه فيها لطائف.
… هو حينما دعا ربه كان – لا ريب – على استقامة، بل على ذروة الاستقامة، لأنه نبي كريم من أولي العزم من الرسل، لكن هذا الخطاب فيه تنبيه على أن الاستقامة حتى بعد إجابة الدعوة – وهي نعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى – لا بد من المداومة عليها، وهذا معنى متضمَّن في الاستقامة، وهو المداومة على الطاعة، المداومة في السير على الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه؛ لأن نعم الله عز وجل حينما تتنزل على العباد فإن هذا لا ينبغي بحال من الأحوال أن يدفعهم إلى الركون، وإلى عدم الحذر من الله سبحانه وتعالى، إلى الاغترار، أو إلى أن يقعوا – والعياذ بالله – في الأمن من مكر الله، لا، بل عليهم أن يداوموا وأن يقيموا على ما كانوا عليه من أمر الطاعة وأمر الصلاح والخير في كل أحوالهم، حتى بعد أن يكرمهم الله سبحانه وتعالى بصنوف النِّعَم.
هذا المعنى، هذه اللطيفة أيضًا في خطاب ربنا تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: 112]، نفس هذا المعنى: المداومة على الطاعة والاستقامة، خوطب بها نبينا صلى الله عليه وسلم ومن تاب معه، وهم المؤمنون.