⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، لا ريب أنه لا قائل بهذا القول، ليس هنالك من يقول بأنها تنتهي عدتها بمضي الأربعة الأشهر والعشر، بل لا خلاف بين أهل العلم بأن الحمل إن طال أكثر من هذه المدة المحددة، وهي مدة التربص أربعة أشهر وعشر، لا تنتهي عدتها بمضي هذه المدة، وإنما تنتظر حتى تضع حملها، إذ لا يجوز أن تقترن بزوج، ولا أن يُعقد زواجها مع زوج وهي لا تزال حاملاً، ولا يجوز حتى أن تُخطب في خلال هذه الفترة.
وإنما وقع الخلاف فيما لو وضعت حملها قبل أن تمضي أربعة أشهر وعشرة أيام، هل إن وضعت حملها قبل أن تمضي هذه المدة المحددة تنتهي عدتها أو لا تنتهي؟ وقع خلاف بين أهل العلم، فذهب جمهور الصحابة والتابعين، وعلى ذلك جمهور الأمة، إلى أن عدتها تنتهي بوضع الحمل، وهؤلاء رأوا أن قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ هو المخصص لعموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، رأوا أن آية الطلاق مخصصة لعموم هذه الآية، بدليل حديث سبيعة الأسلمية التي وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: «حَلَلْتِ فَانْكِحِي»، والحديث هو في مسند الإمام الربيع بن حبيب، وفي الصحيحين، وفي بقية الأمهات في السنن والمسانيد، وفي غيرها، حديث مشهور من عدة طرق، روي من عدة طرق.
وعلى أي حال هؤلاء نظروا إلى هذا فجعلوا الآية مخصصة لعموم الآية الأخرى، أي: آية الطلاق مخصصة لعموم آية البقرة. والرأي الآخر قال به علي وابن عباس رضي الله عنهما من الصحابة، وهو الذي عليه أكثر أصحابنا، هؤلاء ذهبوا إلى أنها تعتد بأبعد الأجلين، أي: تُنظر في المدة المقررة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، ومدة الحمل، أي المدتين أطول فتعتد بأطول المدتين؛ فإذا كانت مدة الحمل أطول تعتد إلى أن تضع حملها، وإذا كانت الأربعة الأشهر والعشرة هي الأطول تعتد بأربعة أشهر وعشرة أيام.
هذا رأي هذه الطائفة، وهذا القول على أي حال قال به أكثر علمائنا، اللهم إلا قطب الأئمة وبعض علمائنا الآخرين، ذهبوا إلى ترجيح رأي الجمهور، ونحن نرى هؤلاء الذين ذهبوا إلى هذا المذهب رأوا الجمع ما بين الآيتين الكريمتين، قالوا: إن كل واحدة من الآيتين تُخصِّص عموم الآية الأخرى، فالجمع بين الآيتين إنما يكون باتباع هذه الطريقة، وذلك أن تكون آية الطلاق مخصصة لعموم آية البقرة باعتبار ما إذا كانت مدة التربص لوضع الحمل أطول من مدة الأربعة الأشهر والعشر، والعكس في العكس، تُجعل آية البقرة مخصصة لتلك الآية فيما إذا كانت المدة أقصر.
نعم، وقالوا بأن الجمع بين الآيتين أولى أن يُعتمد عليه، أما حديث الأسلمية فقد قالوا فيه بأنه خاص بسبيعة الأسلمية، والذي يتبين لي رجحان ما قاله جمهور علماء الأمة، وعليه أكثر الصحابة والتابعين، وهو أنها تعتد إلى وضع حبلها، ولو وضعت بعد ساعات أو بعد أيام، ولا تنتظر إلى أن تنتهي مدة أربعة أشهر وعشرة أيام.
وذلك لأن حديث سبيعة الأسلامية –من جاء من طريق أم سلمة، من جملة من رواه عن الرسول صلى الله عليه وسلم– أم سلمة رضي الله تعالى عنها، أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روته في مقام فصل الخصام، أو روته في مقام فض النزاع الذي كان بين طائفتين، فقد اختلف في هذه المسألة أولاً ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اختلف مع أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، فكان ابن عباس كما ذكرنا عنه يذهب إلى اعتبار أبعد الأجلين، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف كان يذهب إلى اعتبار وضع الحمل متى ما وضعت حملها، فجاء أبو هريرة فذكر له ذلك، فقال: أنا مع ابن أخي، أي: كان يساند رأي أبي سلمة، فأرسلوا رسولاً إلى أم سلمة رضي الله تعالى عنها يسألها، فردت عليهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءت إليه سبيعة الأسلمية وقد وضعت حملها بعد موت زوجها بأيام، فقال لها: «حَلَلْتِ فَانْكِحِي»، نعم.
فإذاً أم سلمة راوية الحديث روته في مقام فض هذا النزاع ورفع هذا الخلاف فيما بين الجانبين، وما كان ليخفى عليها أن الحديث خاص بسبيعة لو كانت هنالك خصوصية، فهذا مما يؤيد الأخذ بهذه الرواية والتعويل عليها، على أن هذه الرواية لو وجدت وحدها لكانت كافية لتخصيص عموم آية البقرة، ذلك لأن الحديث الآحادي يخصص عموم القرآن الكريم كما هو معروف وكما قرره الأصوليون، لأن العام ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن، فإذاً الحديث هو كاف لتخصيص عموم الآية الكريمة.
ومن ناحية ثانية فإن الأصل في الأحكام أن تكون عامة، لا سيما هذه الأحكام المشتركة التي ترجع إلى الفطرة البشرية، فالأصل في هذه الأحكام أن تكون عامة، والتكاليف الشرعية هي تكاليف عامة لا خصوصية فيها بالبعض دون البعض، فتخصيص هذا الحكم بسبيعة الأسلمية دون غيرها غير وارد، اللهم إلا إذا جاء دليل يعوَّل عليه.
ومن ناحية ثالثة فإن في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قال لها: «حَلَلْتِ فَانْكِحِي» تلا الآية الكريمة: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فدل ذلك على أن هذه الآية مخصصة لعموم تلك على الإطلاق، ومن ناحية رابعة جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على هذا الحكم –كما في رواية ابن جرير الطبري في تفسير الآية الكريمة– نص على هذا الحكم، وكونه عليه أفضل الصلاة والسلام نص على هذا الحكم بأنه عام يدل على أن الحكم لا يختص بسبيعة دون غيرها من النساء، فالحكم إذًا عام، وكل امرأة وضعت حملها ولو بعد الساعة من وفاة زوجها تكون حلاً للأزواج.
وأما بالنسبة لما إذا طال أمد حملها فوق أربعة أشهر وعشر، فلا خلاف بين علماء الأمة أنها تنتظر إلى أن تضع حملها، ذلك لأن القائلين بأبعد الأجلين هذا هو الأجل الأبعد، والقائلين بوضع الحمل هي لم تضع حملها إلى أن يأتي ميقات وضع الحمل، نعم، والله تعالى أعلم.