⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى لم يكلِّف عسيرًا، وإنما كلَّف يسيرًا، وذلك من فضله على عباده، ولو شاء لأعنتهم، وهو سبحانه وتعالى إذ كلَّفهم بهذه الصلاة جعل لهم في بعض الأحوال تخفيفًا عن تحمُّل التبعات الثقيلة التي فيها.
فالمسافر جعل الله سبحانه وتعالى له يسرًا في أمر الصلاة من حيث إن صلاته ليست كصلاة المقيم، فهو مطالب بقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، هذا مع جواز الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وصلاتي المغرب والعشاء.
وكذلك إذا كان الإنسان في حالة مرض فإنه يؤديها بحسب ما يستطيع، يتدرَّج في أدائها، من أدائها قيامًا مستقبلًا القبلة مستكمِلًا جميع وظائفها وأعمالها، إلى أدائها قعودًا، ثم أدائها اضطجاعًا إن لم يستطع القعود، وهكذا ييسِّر الله سبحانه وتعالى بقدر ما يتحمل الإنسان من مشقَّة.
وكذلك عندما يكون في حال مواجهة مع العدو فإن صلاة الخوف تُشرع بكيفية فيها تخفيف بالغ؛ فالمؤمنون ينقسمون إلى طائفتين: طائفة تقابل العدو، وطائفة تؤدِّي الصلاة، ثم تأتي الطائفة التي لم تُصلِّ فتُكمل الصلاة مع الإمام، وهكذا، هذا كلُّه من تيسير الله سبحانه وتعالى.
فمع هذا التيسير ليس هنالك من سبب يجعل الإنسان يعتذر عن أداء الصلاة لأجل عمل أو لأجل غيره. الصلاة لم تُفرض بمشقة يكابدها الإنسان، وإنما جُعلت ميسَّرة، وأوقاتها تأتي في أحوال نستطيع أن نقول بأنها مواقيت فيها راحة للإنسان من العمل؛ فهو عنده فسحة ليعمل من بعد صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، كم ساعة يقضيها وهو غير مطالب بالصلاة، ومن بعد صلاة الظهر كذلك عنده مجال إلى صلاة العصر، وبعد صلاة العصر إلى صلاة المغرب، وبعد صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، ومن بعد صلاة العشاء عنده وقت للراحة إلى صلاة الفجر، وإن كان يُرغَب له أن يقوم الليل، ولا ينبغي لعاقل أن يفوِّت قيام الليل، ولكن مع هذا هو غير مطالب مطالبة فيها عزيمة بأن يقوم الليل، بإمكانه أن ينام إلى أن يحضر وقت الفجر.
فإذا ما كُلِّف الإنسان أمرًا فيه مشقة حتى يعتذر عن الصلاة بأنه في عمل، لا ريب أن الإسلام أعطى الإنسان فرصة للعمل، ورغَّب في العمل، والإنسان العامل خير من الإنسان المهمل الذي لا عمل له، ولكن مع ذلك لا يعني هذا أن يكون على حساب الصلاة التي هي صلة بين العباد وبين ربهم، وهي راحة لهذه النفوس، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرحنا بها يا بلال»، وهي أيضًا شرف عظيم للإنسان، هذا العبد الضعيف أن يقف بين يدي الرب الكريم الجليل سبحانه وتعالى يناجيه ليس بينه وبينه واسطة.
فإذا دعواهم أن الإنسان في حالة عمل هذه دعوى ساقطة، وإذا كان الإنسان لا يُعذر عن أداء الصلاة حتى وهو في حال مواجهة العدو كما جاء النص الصريح: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] إلى آخر الآية، فكيف بمن لم يكن في مثل هذه الحالة، من كان في أمن واستقرار وقدرة على أداء الصلاة على النحو المشروع؟ لا ريب أنه لا يُعذر بسبب العمل، ولا يكون العمل بديلًا عن الصلاة، نعم من أفضل العبادات، ومع ذلك هو لا يفضُل الصلاة.