⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الوصية قد تكون فريضةً واجبة، وهذه الوصية هي الوصية المنصوص عليها في القرآن، التي كتبها الله تعالى على كل من ترك خيرًا، وجعلها حقًّا على المتقين.
والدليل على وجوبها قولُه تعالى: ﴿كُتِبَ﴾، وقد بيَّنَّا أن معنى كتب: فُرض، كما في قولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]، أي فُرض عليكم القتال، وكذلك ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]؛ جعلها حقًّا، وهذا الحق على المتقين، فكلُّ هذا مما يؤكِّد وجوب هذه الوصية؛ هي مكتوبة، وهي حق، ومن الحق أنها واجبة، هذا الحق على من؟ على المتقين، والمتقون لا ريب أنهم هم الفائزون، وعلى كل واحد أن يحرص على أن يكون من زُمرة المتقين؛ فهذا كلُّه مما يدل على فرضية هذه الوصية، وعلى عدم جواز التفريط فيها.
كذلك وصايا التدارك التي يوصي بها الإنسان؛ فإن الإنسان مأمور قبل وفاته –إن لم يتمكَّن من أداء كل ما عليه– أن يوصي بما لم يتمكَّن من أدائه من الحقوق الواجبة عليه؛ فقد تكون هناك حقوق عليه لأقرب، وقد تكون هناك حقوق واجبة عليه لأبعد، هذه الحقوق الواجبة لا بد من الوصية بها إذا كان الإنسان غير متمكِّن من إيفاءِ كلِّ ذي حقٍّ من أولئك حقَّه الواجب عليه، ففي الوصية تدارك لهذا التفريط، فهذا واجب.
أما بالنسبة إلى المندوبات، كأن يوصي الإنسان بإنفاق شيء من ماله في بناء مسجد، أو في تأسيس مدرسة، أو في تأسيس أي مشروع خيري؛ فإن ذلك يُعتبَر مما يُندَب إليه.
وكذلك قد تكون هذه الوصية مكروهةً عندما يكون عنده ورثةٌ فقراء محتاجون إلى المال؛ فإنه ينبغي ألَّا يُكثِر من الوصايا المندوب إليها، بل يُراعي كونَهم هم بحاجة إلى هذا المال؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن تترك أولادك أغنياء خيرٌ من أن تتركهم فقراء يتكففون الناس»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام؛ فهذا مما يجب أن يُراعى في الوصية.
كذلك قد تكون هذه الوصية محرَّمةً عندما يوصي بمحرم؛ عندما يوصي بفتح مَخْمَرة مثلًا، أو يوصي لمخمرة، أو يوصي لأي وجه غير مشروع؛ فإن هذه الوصية محرَّمة، وهي باطلة، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ»، فهذه وصية ليس عليها أمرُ الله تعالى وأمرُ رسوله صلى الله عليه وسلم، فهي مردودة على صاحبها، وهذه وصية محرَّمة.
وكذلك إن أوصى أحدٌ بأكثر من ثلث ماله في غير ما هو فرض واجبٌ عليه؛ أما ما كان فريضةً واجبةً عليه، فإن هذه الفريضة تُخرَج من أصل المال، لا ريب أن حقوق الناس تُخرَج من أصل المال؛ فإذا كان على الإنسان حقٌّ لأحدٍ من الناس من ضمان أو غيره، فإن هذا الضمان يُخرَج من أصل المال، ولا يُخرَج من ثلث المال فحسب.
أما الوصايا النَّدْبية –كأن يوصي لبناء مسجد، أو يوصي لتأسيس مدرسة، أو يوصي لأي وجه من وجوه البر التي هي مندوَبٌ إليها وليس ذلك مما يُعَدُّ واجبًا عليه– فهذه الوصايا ترجع إلى ثلث المال، لا يجوز له أن يتجاوز الثلث، ومن تجاوز الثلث فقد جَحَف على ورثته.
واختلف في ما إذا كانت الوصية في حقوق الله الواجبة على الإنسان ليست وصيةً احتياطية، ولكنها وصية في حقٍّ واجبٍ عليه، كأن يوصي بكفارةٍ واجبةٍ عليه؛ فإن هذه الكفارة إن كانت واجبةً عليه، هل تُخرَج من ثلث المال، هل ترجع الوصية بها إلى ثلث المال، أو ترجع الوصية بها إلى أصل المال؟ لعل أكثر علمائنا يذهبون إلى أن هذه الوصية ترجع إلى ثلث المال، ولكن الذي أذهب إليه بأنه لا فرق بين حقِّ الله تعالى وحقوق العباد، بل حقُّ الله تعالى أوجَب، كما دلَّ على ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند الشيخين: «فدينُ الله أحقُّ بالقضاء»؛ لما كان دينُ الله أحقَّ بالقضاء، فلا ريب أن هذه الوصية ترجع إلى أصل المال كما هو الشأن في دَين الخلق.
ولا ريب أن الوصية أيضًا للوارث غير جائزة، فلا بد من مراعاة هذه الجوانب كلها.