✓ تم نسخ الرابط
حكم صيام الدهر
ما حكم الأحاديث التي تنصح بصيام الدهر وما حكم صيام الدهر نفسه؟
⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن صيام الدهر مما اختلف العلماء فيه. ذهب بعض العلماء إلى أنه حرام، وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه مكروه، وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه جائز، بل فعله كثير منهم بشرط ألا يضر الإنسانَ بنفسه، وألا يؤدي إلى ترك شيء من الواجبات أو شيء من المندوبات التي هي أولى من فعل ذلك؛ فإن أدى إلى ترك شيء من الواجبات فإنه يكون حراما، وإن أدى إلى ترك شيء من المندوبات التي هي أولى منه فإنه قد يصل إلى درجة الكراهة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن أقل ما يقال فيه: إنه مكروه، ويمكن أن يصل إلى مرتبة أعلى من ذلك، وذهب بعضهم إلى أنه إما أن يكون مكروها وإما أن يكون من خلاف الأولى، والمكروه هو ما كان مقصودا بالنهي، وخلاف الأولى –على رأي من ذهب إليه– هو ما لم يكن مقصودا بالنهي ولكنه قد يستنبط من ذلك أو مشابه ذلك.
ولا شك أن فعل صيام الدهر مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه النفر الثلاثة وسألوا عن عبادته، وذكر أحدهم بأنه يصوم ولا يفطر –إلى آخر الحديث المشهور– بيَّن صلى الله عليه وسلم أن هديه بخلاف ذلك، فقال: أصوم وأفطر، ثم ذكر صلى الله عليه وسلم أن من رغب عن سنته فليس منه، فقال: «ومن رغب عن سنتي فليس مني»، فبيَّن صلوات الله وسلامه عليه أن صيام الدهر ليس بسنته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه عندما سأله أحد صحابته عن ذلك قال: «لا صام من صام الدهر»، والحديث في الصحيحين من طريق ابن عمر، وفي صحيح مسلم من طريق أبي قتادة رضي الله تعالى عنه «لا صام ولا أفطر».
فقوله: «لا صام من صام الدهر» –وإن كانت جملة خبرية– فهي بمعنى الإنشاء؛ فإما أن يكون دعاء، ولا شك في خيبة من يصيبه دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك قال ابن العربي العلامة المالكي: يا ويح من يصيبه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. وإن كان خبرا فمعنى ذلك أن ذلك ليس بمشروع، وأنه لا فضل فيه؛ فلماذا يفعل الإنسان ما لا فضل فيه ويترك الفضائل الكثيرة الثابتة في سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّن بأن أفضل الصيام صيام داود، وهو أنه عليه الصلاة والسلام كان يصوم يوما ويفطر يوما؛ فمن العجب أن يقول بعضهم: إن صيام الدهر لمن قوي عليه ولم يفرط في شيء من الحقوق –أي حقوقه ولا حقوق أسرته– أفضل من صيام يوم وإفطار يوم، مع النص الصريح الواضح الجلي في تفضيل صوم داود عليه الصلاة والسلام؛ فهذا من العجائب.
وأيضا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن الإسلام فيه التوسط بين حقوق الله سبحانه وتعالى وما يقتضيه حال العبد أو ما يحتاج إليه العبد، وهذا هو منهج الإسلام؛ فالتخفيف في بعض والتيسير على الإنسان. ولذلك عندما قال سلمان رضي الله عنه –الصحابي الجليل– لأبي الدرداء: إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فأعطِ كل ذي حق حقه، صدقه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فإذا صيام الدهر أقل ما يقال: إنه لا ينبغي، وإنه مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. وما ذكره بعضهم من أنه إذا أفطر ما يحرم صيامه كيوم العيدين وأيام التشريق فإنه لا يكون محرما ولا مكروها قولٌ مخالف للصواب؛ ذلك بأن تلك الأيام ليست داخلة في هذا.
واحتجاج بعضهم بحديث: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كمن صام الدهر كله» ليس بشيء؛ هذا الحديث صحيح على الصحيح، خلافا لمن ادعى أنه ليس بصحيح، ولكن ذلك لا دلالة فيه أبدا؛ لأن هذا على التقدير، والمقدَّر لا يُحتج به في مثل هذه الأمور، وإلا لو احتُجَّ به فمعنى ذلك أن يقال بجواز صيام العيدين وبجواز أنه يصوم جميع السنة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جعله بمثل هذه المثابة؛ فالمقدَّر لا يؤخذ منه الجواز فضلا من أن يؤخذ منه الفضل.
وما جاء من أن رجلا –وهو حمزة ابن عمرو فيما أحسب الأسلمي– قال للرسول صلى الله عليه وسلم: إنه يسرد الصيام، فهذا لا دلالة فيه؛ لأن ذلك في السفر، وعلى تقدير أنه في الحضر فليس فيه أنه كان يصوم الدهر، وإنما معنى ذلك بأنه كان يصوم أياما متعددة متتابعة؛ وهذا كما جاء من طريق السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى نقول: إنه لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول: إنه لا يصوم؛ فمعنى ذلك أنه كان يصوم عدة أيام متتابعة ثم يفطر، وليس ذلك من صيام الدهر في شيء.
وما ذُكر أن بعض الصحابة كان يصنع ذلك فلا حجة فيه؛ أولا نقول: إن مذاهب الصحابة والتابعين، أو ما يُنسب إلى الصحابة والتابعين، لا بد من البحث والتمحيص عن ثبوته عنهم؛ فإن كثيرا من الأقوال التي تُنسب إليهم ليست بصحيحة عنهم، وعلى تقدير صحة ذلك فمعنى ذلك أن ذلك من باب الاجتهاد، وقد يخطئون كما يخطئ غيرهم؛ فالحجة ما جاء في كتاب الله تبارك وتعالى وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما ما جاء عن أبي موسى الأشعري عند أحمد وابن خزيمة وابن حِبَّان وابن أبي شيبة وغيرهم، فذلك الحديث فيه نظر في ثبوته –وإن صححه ابن حجر– وعلى تقدير ثبوته فهو لا يدل على المنع منه عن الجواز.
والحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن من صام الدهر لم يصم، فعلى تقدير أنه دعاء أو على تقدير أنه إخبار عن ذلك فلا ينبغي للإنسان أن يقرب من ذلك، ولا سيما أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى أن الأفضل هو صيام النبي داود عليه الصلاة والسلام.
وكيف ينبغي أن يقول قائل: إنه يُندب لمن قوي عليه ولم يفرط في حق أو ما شابه ذلك؟ وقد أحسن الإمام السالمي رحمه الله عندما ذكر الخلاف في «جوهر النظام» في قضية صيام يوم الشك، وأن بعض العلماء قال بالتحريم، وبعضهم بالكراهة، وبعضهم بالتخيير، وبعضهم باستحباب الصيام إلى غير ذلك من الأقوال، فقال:
وقد نهى النبي عن صيامه رواه من رواه في أحكامه
فكيف يندبن أو يُخيَّرُ فلا أرى الصواب فيما يُذكرُ
فهذا كلام جميل حسن رائق جدا؛ فما دام جاء ذلك، كيف يقال: إنه ينبغي، وإنه يُخيَّر بين صيامه وبين فطره؟ فهذا هو الذي ينبغي أن يقال في صيام الدهر.
ومن المعلوم أن الصائم قد يفرط في بعض الأعمال المهمة، ولا سيما إذا أكثر من الصيام...
👤سعيد بن مبروك القنوبي
📅 ٣١/٥/٢٠١١👁 2 مشاهدة
🎬
أحكام الصيام 2 - الشيخ سعيد القنوبي - ليلة 5 رمضان 1429 هـ
صيام النفل
✦ فتاوى مشابهة
حكم صيام الدهر
2 👁ما حكم صيام الدهر، وما القول الراجح في المذهب الإباضي في هذه المسألة؟
👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٢٣/٢/٢٠٢٦أحاديث صيام الدهر
2 👁ما درجة صحة حديث (من صام الدهر ضيقت عليه جهنم) وحديث (لا صام من صام الدهر) وباقي الأحاديث الواردة في صيام الدهر؟
👤سعيد بن مبروك القنوبي
٣١/٥/٢٠١١حكم صيام نصف شعبان
2 👁ما حكم صيام النصف من شعبان تطوعاً؟
👤ماجد بن محمد الكندي
٢/٥/٢٠٢٦حكم صيام رجب
3 👁ما حكم صيام شهر رجب كاملاً أو إفراده بالصيام؟
👤سعيد بن مبروك القنوبي
٨/٧/٢٠١١حكم صيام الحامل
1 👁ما حكم صوم الحامل في رمضان، وهل يجب عليها شيء إذا أفطرت؟
👤عبدالله بن سعيد المعمري
٨/٨/٢٠١١حكم صيام يوم الإسراء والمعراج
2 👁هل يُشرع صيام اليوم الذي كانت في ليلته حادثة الإسراء والمعراج؟
👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٨/٦/٢٠١١