⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الإنسان عليه دائمًا أن يُحِسَّ بأن الله سبحانه وتعالى محيطٌ به، وأن نعمَ الله تعالى تغمره، وأن الله سبحانه وتعالى عليه في كل جزئية من جزئيات أموره رقيب. عندما يُحِسُّ الإنسان بذلك لا تُبطِله النعمة ولا تُشغِلُه عن المنعِم؛ النعمة هي بذاتها دافعةٌ إلى استذكار أمر المنعِم، واستذكار شأن المنعِم، واستذكار فضل المنعِم، فكيف هذا الإنسان يشتغل بالنعمة عن المنعِم؟
من طبيعة الإنسان أن يحبَّ من أنعم عليه، ولا ريب أن النفوس كما قيل جُبِلَت على حب من أحسن إليها، هذا فيما بين العباد أنفسهم؛ فترى أن الشخص البرَّ الرحيم اللطيف بالناس، أي الذي يقضي حاجاتهم ويسارع في مصالحهم ويشتغل بما ينفعهم، محبَّبٌ إلى النفوس، النفوس تحبُّه بسبب ما هو متلبِّسٌ به من الخصال الجميلة، بعكس من كان مستبدًّا راغبًا في مصالحه، يؤثر نفسَه على غيرها، أي يحب الاستئثار ولا يميل إلى الإيثار، فإن هذا مَن تنفر عنه طباع الناس.
وإن كان الأمر كذلك فعلى الإنسان أن يشعر بنعم الله التي تغمره؛ الكون كلُّه نعمة من الله تعالى: الأرض والسماء والفضاء وكل ما يحيط بالإنسان في هذا الوجود هو نعمة من الله تعالى. الله تعالى عندما عرَّفنا بنفسه ذكَّرنا نِعَمَه، وعرفنا بنفسه من خلال هذه النِّعم التي أنعم بها علينا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾، هذا كلُّه مما يذكِّر بالله. أيضًا نجد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، هذا مما يذكِّر العبد بربه سبحانه.
فإذا النعمة يجب ألَّا تُبطِر الإنسان، وما بالإنسان من خيرٍ نعمة من الله؛ ما كان في نفسه مما يهبه الله تعالى من ذكاءٍ وفطنةٍ وعلمٍ وحِلمٍ وبصيرةٍ ومالٍ وجاهٍ، كل ذلك من نعم الله سبحانه وتعالى، فعليه ألَّا يغترَّ بشيء من ذلك. نعم، الثقة بالنفس مع الشعور بأن هذه النفس لا تكون قويةً إلا عندما تكون موصولة بالله سبحانه وتعالى، هذه الثقة مع وصلها بالله سبحانه، والخوف من الاغترار، والخوف من وسوسة الشيطان.
على الإنسان أن يكون على بصيرة حتى وهو يعمل الصالحات، وهو يسارع إلى الطاعات، وهو يشتغل بما يقرِّبه إلى الله، عليه مع ذلك أن يكون مستشعرًا الخوف من الله تعالى؛ لأنه يُحِسُّ أنه مهما عمل من خير فذلك لا يساوي شيئًا بجانب ما أنعم الله تعالى به عليه من فضل، وما آتاه من هبات. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾، فهم يؤتون ما آتَوا من الأموال التي ينفقونها في سبيل الله، وهم يسارعون إلى طاعة الله، وهم يحرصون على مرضاته، ولكن مع ذلك قلوبهم وجلةٌ أنهم إلى ربهم راجعون.
لهذا يستطيع الإنسان أن يبتعد عن البَطَر، وأن يبتعد عن الاغترار بالنفس، وأن يبتعد عن العُجْب بالنفس. بماذا يعجب الإنسان؟ أيعجب بعلمه؟ ذلك العلم الذي أُوتِيه إنما هو فضلٌ من الله سبحانه وتعالى. أيغترُّ بماله؟ ماذا عسى أن يجديه ماله إن لم يكن شاكرًا لهذه النعمة؟ والمال ما ليس له به افتخار؛ لأنه إن لم يُزَكَّ ناره. إن كان معجبًا بولده فكذلك، إن كان معجبًا بجماله، إن كان معجبًا بقوته، إن كان معجبًا بأيِّ شيء من شأنه، عليه أن يُحِسَّ أن هذه عاريةٌ مستردَّة، وأن ذلك لا يساوي شيئًا إن لم يُسخَّر في طاعة الله سبحانه وتعالى الذي أنعم به عليه.