⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
اما بعد فان هذا الحديث يورده كثير من الخطباء في خطبهم وكذلك يورده كثير من الوعاظ في دروسهم ومحاضراتهم، وقد صححه بعض العلماء اغترارًا بظاهر إسناده، فقد صححه الحافظ المنذري على شرط الشيخين، وتابعه على ذلك غير واحد من المتقدمين والمتأخرين، وسبب ذلك انهم لم ينتبهوا الى الانقطاع الذي في إسناده، او بالأحرى الى وقوع التدليس من الزهري في إسناده.
فهذا الحديث قد رواه عبد الرزاق، ورواه من طريقه جماعة من المحدّثين؛ فقد رواه أحمد، ورواه أيضًا البزار وعبدة بن حميد في مسنده، وكذلك رواه الطبراني في مكارم الأخلاق، ورواه أيضًا الضياء في المختارة، والبيهقي في شعب الإيمان، ورواه ابن عبد البر في التمهيد، وروته جماعة من المحدّثين، لا حاجة للإطالة بذكرهم، وقد جاء عند أغلب هؤلاء، بل جاء عندهم جميعًا من هذه الطريق – باستثناء ابن عبد البر –: "أخبرني الزهري"؛ أي قال معمر الذي روى الحديث، ومن طريقه عبد الرزاق: أخبرني الزهري، أخبرني أنس. فظاهر هذا بأن الزهري قد صرّح بالإخبار عن أنس بن مالك الصحابي الجليل رضي الله تبارك وتعالى عنه، ومعنى ذلك أن الحديث صحيح كما قال من قال من المحدّثين.
ولكن الأمر ليس كذلك؛ فقد جاء من طريق معمر نفسه عند ابن المبارك في مسنده وفي الزهد، وكذلك رواه النسائي في السنن الكبرى، وكذلك رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة – فيما يظهر من المقصود بالسند الكبرى في التفريغ –، ورواه آخرون من طريق معمر عن الزهري عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، رواه بالعنعنة. وكذلك قد جاء من طرق أخرى عن الزهري من غير طريق معمر أن الزهري قال: عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وجاء في بعض الروايات: "حدّثني من لا أتهم عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه".
وفي هذا ما يدل دلالة واضحة جليّة أن الزهري لم يسمع هذا من أنس بن مالك، وإنما دلّسه في تلك الروايات التي لم يذكر فيها من حدّثه، وأما الرواية التي جاء فيها: "من لا أتهم" فهذا التوثيق مما لا يمكن أن يُعتمد عليه، لأنه وإن كان ثقة – مثلاً – عند الزهري، إلا أنه يمكن أن يكون عند غيره بخلاف ذلك، ثم هل هو عنده ثقة في دينه، وفي حفظه؟ في ذلك كلام، لا داعي لذكره الآن.
والحاصل أن الزهري قد دلّس في هذا الحديث. وكثير من الناس عندما يجدون رواية عن المدلِّس قد صرّح فيها بالسماع، او ما يقتضي ذلك عند أحد المحدّثين، يقولون: قد صرّح بالسماع في الحديث الفلاني او صرّح بالإخبار او ما يقتضي ذلك، فيأخذون بذلك، وقد يكون ذلك التصريح خطأ، والرواية الصحيحة هي بالعنعنة، وليست مصرّحة، وليس فيها تصريح بالسماع. يُغترُّ كثير من الناس بذلك، فلابد من التحرّي والتمحيص في مثل هذه القضية.
فإذا وُجد في كتاب صرّح فيه المدلِّس بالسماع عند ذلك الراوي، يحتاج أن يُنظر إلى ذلك الشخص الذي صرّح بالسماع: هل هو ممن يؤخذ بروايته؟ وهل وقع في تلك الرواية شيء من اللبس؟ أو هل يمكن أن يكون أيضًا قد وقع في ذلك خطأ من ناسخ او من طابع؟ اما الاستعجال وتصحيح الأحاديث على ذلك، فهذا – للأسف الشديد – مما يقع فيه كثير من الناس، فيقعون في الخطأ الكبير.
فهذا الحديث قد صححه – كما قلت – المنذري على شرط الشيخين، وكذلك صنع الهيثمي في مجمع الزوائد، وفي كثير من الأحيان يتابع الهيثمي المنذري في تصحيحاته وتحسيناته. فهذا مما ينبغي أن يُنتبه له كثير من الناس إذا وجدوا حديثًا صححه المنذري والهيثمي والسيوطي والمناوي او ما شابه ذلك، سَرْدُ هذه الأسماء يُنبّه السامع بأن هذا الحديث قد صححه او حسّنه جماعة من المحدّثين، وفي الواقع في كثير من الأحيان يكون المصحِّح هو المنذري، وأولئك يتابعونه على تصحيحه وتحسينه، فإذا وقع في الخطأ وقعوا في ذلك الخطأ الذي وقع فيه، وهذا يعرفه من له أدنى معرفة بهذه الكتب.
وهذا الحديث قد ضعّفه جماعة كبيرة من المحدّثين؛ فقد ضعّف هذا الحديث الدارقطني والبيهقي وحمزة بن محمد، وكذلك ضعّفه الحافظ ابن حجر والعراقي بعد أن صححاه، انتبها إلى الخطأ الذي في إسناده، وجزما بضعفه، وكذلك ضعّفه البوصيري، وضعّفه الناجي في العجالة، وضعّفه بعض المتأخرين أيضًا، وهذا هو الصواب. فلذلك لا ينبغي أن يُورد هذا الحديث في الخطب ولا في الدروس والمحاضرات وما شابه ذلك.
ثم إن هذا الحديث منكر من حيث إسناده، ومن حيث متنه؛ ففي الرواية أن ابن عمر قال: "لاحيت أبي"، وانه ذكر في بعض الروايات: أقسم بالله أن يدخل معه إلى بيته او ما شابه ذلك ثلاثة أيام، وتبين بعد ذلك أن الأمر بخلاف ذلك؛ فهل يمكن أن يكذب ابن عمر الصحابي المعروف من أجل هذا الغرض؟ هذا مما لا يمكن، او هذا الحديث لا يمكن أن يصححه من ينتبه إلى مثل هذه العلة، ولكن كثيرًا من الناس ينظرون إلى الأسانيد ولا يلتفتون إلى ما في المتون من العلل.
في الحقيقة ينبغي التنبه لمثل هذه الروايات، لأن نسبة حديث إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليست من الأمور السهلة، كما أن نفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس من الأمور السهلة الهينة كما يتصوره بعض الناس.
وهذا الحديث له بعض الشواهد، ولكنها ليست مما يُفرَح به، فلا داعي للإطالة بذكرها، وجاء في بعض الروايات بأن الداخل هو سعد، وفي بعضها: انه رجل أنصاري، ولم يثبت شيء من ذلك.